الإمام مالك وانتشار المذهب المالكي

اختلف المؤرخون في ولادة الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر، فمنهم قال عام 93 هجرية (وهو الأشهر) وقيل 94 هجرية وقيل 95 هجرية وقيل 96 هجرية في المدينة المنورة. وقد يرجع أسباب الاختلاف إلى اعتقاد البعض أن أم مالك حملته في بطنها ثلاث سنين! قال ابن عبد البر: وقد ذكر غير الواقدي أن أُم مالك حملت به ثلاث سنين (مناقب مالك للسيوطي ص 6). لم يكن أنس والد الإمام مالك معروفاً حيث لم يُذكر عن حياته في كتب التاريخ، بل حتى أن مالك نفسه لم يرو عنه، وجده أبو عامر كان تابعياً يمنياً نزل المدينة. ولم يكن مالك من أسرة علمية، إلا أن عمه كان مقرئاً.

واختلفوا في نسب مالك، لكن عامة الناس على أنه من العرب وليس من الموالي. ومع ذلك فقد طعن الكوثري الهالك في نسب الإمام مالكٍ، وجعله من الموالي لا من العرب، واستشهد بتسمية الإمام الزهري لعم الإمام مالك بـ"مولى التيميين". مع أن هذا لا يضر الإمام مالك –لو كان هذا الزعم صحيحاً– لقول الله تعالى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}. وسيأتي كيف أن الإمام مالك قد طعن في القاضي الثبت "سعد" لأنه تكلم في نسبه، وكذلك فعل مع الإمام ابن إسحاق، وقال عنه: «إنما هو دجال من الدجاجلة. نحن أخرجناه من المدينة». أي أن مالكاً قد جمع "الدجال" على "دجاجلة"، وهو جمع لم يكن سمع به ابن إدريس الكوفي، وظاهرٌ أنه لحن. جاء في لسان العرب (11|237) عن كلمة "دجال": «لـم يجمعه علـى "دجاجلة" إِلا مالك بن أَنس». ثم ذكر الكلمة الصحيحة مستشهداً بما قاله النبي t «فـي حديثه الصحيح فقال: "يكون فـي آخر الزمان دَجَّالون" أَي كَذَّابون مُـمَوِّهون، وقال: "إِن بـينَ يَدَي الساعة دَجَّالـين كَذَّابـين فاحذروهم". وقد تكرر ذكر الدجال فـي الـحديث، وهو الذي يظهر فـي آخر الزمان يَدَّعي الإِلهيَّة. وفَعَّال من أَبنـية الـمبالغة أَي يكثر منه الكذب والتلبـيس. قال الأَزهري: "كل كَذَّاب فهو دَجَّال، وجمعه دَجَّالون"».

وأياً كان، فإن الإمامَ مالك قد اتُّهِمَ باللّحن بالعربية. وقد اتهمه بذلك الإمام أبو عبد الرحمن النَّسائي، كما أخرجه الخطيب في الكفاية (2|555) بإسناد صحيح. كما أخرج الخطيب في كتاب "اقتضاء العلم العمل" (#157) قصة عن ابن أخت الإمام مالك، يقر فيها الإمام مالك على نفسه باللحن. وقد ذكر المبرَّد في كتاب "اللّحنَةَ" عن محمد بن القاسم عن الأصمعيّ (اللّغوي المشهور) قال: «دخلت المدينةَ على مالك بن أنس فما هِبْتُ أحداً هيبتي له، فتكلّم فَلَحَنَ، فقال: مُطِرْنا البارَحةَ مَطَراً أي مَطَراً، فَخَفّ في عيني. فقلت: يا أبا عبد الله، قد بَلَغْتَ من العلم هذا المبلغَ فَلَو أصلحتَ من لسانك. فقال: فكيفَ لو رأيتمُ ربيعةَ؟ كُنّا نقول له: كيف أصبحت؟ فيقول: بخيراً بخيراً. قال (الأصمعي): وإذا هو (مالك) قد جعلَهُ (جعل ربيعة) لنفسه قدوةً في اللّحْنِ وعذْراً». وهذا أخرجه الخطيب أيضاً في كتاب "الفقيه والمتفقه" (2|29) من وجه آخر عن الأصمعي، مما يعضد الرواية الأولى ويقويها. والأصمعي ثقة معروف بالدقة والتحري، كما قال المعلمي في  التنكيل (1|331): «تجد في كتب اللغة ومعاني الشعر مواضع كثيرة يتوقف فيها الأصمعي، وذلك يدل على توقيه وتثبته».

قلت: وهذا لا يستغرب من ربيعة، فقد كان من الموالي. وليس في هذه القصة طعن بالإمام مالك كما زعم البعض، فإن اللحن ليس عيباً. «إنما العيب على من غلط من جهة اللغة فيما يغير به حكم الشريعة»، كما قال الإمام أبو بكر بن داود بن علي الظاهري تعليقاً على القصة السابقة. ومن تأمل عامة العلماء في ذلك العصر، لوجدهم من الموالي، ولوجد اللحن عندهم منتشراً. وقد ذكر ابن خلدون في مقدمته (ص543، ص337 ط. دار الهلال): فصلاً كاملاً «في أن حَملة العِلْم في الإسلام أكثرهم العجم». ولا يزال أكبر مذهب للمسلمين –منذ أيام الرشيد إلى يومنا هذا– هو مذهب أبو حنيفة الفارسي الأصل.

ومع ذلك تجده قد أفتى ببعض الأحكام الشرعية بعنصرية. فمثلاً قال مالك (عن مسألة تزويج المرأة بغير ولي): «أما الدنيئة كالسوداء أو التي أسلمت أو الفقيرة أو النبطية أو المولاة، فإن زَوَّجَها الجار وغيره –ممن ليس هو لها بولي– فهو جائز! وأما المرأة التي لها الموضع (أي الشرف) فإن وليها، فُرِّقَ بينهما. فإن أجاز ذلك الولي أو السلطان، جاز. فإن تقادم أمرها ولم يفسخ وولدت له الأولاد، لم يُفسَخ».

فرد عليه ابن حزم في المحلى (9|456): «وأما قول مالك فظاهر الفساد، لأنه فَرَّقَ بين الدَّنِيَّة وغير الدنية. وما عَلِمنا الدناءة، إلا معاصي الله تعالى. وأما السوداء والمولاة، فقد كانت أم أيمن –رضي الله عنها– سوداء ومولاة. و والله ما بعد أزواجه –عليه الصلاة والسلام– في هذه الأُمَّةِ امرأةٌ أعلى قدراً عند الله تعالى وعند أهل الإسلام كلهم، منها. وأما الفقيرة، فما الفقر دناءة. فقد كان في الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام– الفقير الذي أهلكه الفقر، وهم أهل الشرف والرفعة حقاً. وقد كان قارون وفرعون وهامان من الغنى بحيث عرف، وهم أهل الدناءة والرذالة حقاً. وأما النبطية، فرُبَّ نبطية لا يطمع فيها كثيرٌ من قريش، ليسارها وعلوِّ حالها في الدنيا. ورب بنت خليفة هلكت فاقةً وجهداً وضياعاً. ثم قوله "يفرق بينهما، فإن طال الأمر وولدت منه الأولاد، لم يفرق بينهما" فهذا عين الخطأ. إنما هو حق أو باطل، ولا سبيل إلى ثالث. فإن كان حقاً، فليس لأحدٍ نقض الحق إثر عقده، ولا بعد ذلك. وإن كان باطلاً، فالباطل مردود أبداً، إلا أن يأتي نص من قرآن أو سنة عن رسول الله r فيوقف عنده. وما نعلم قول مالك هذا، قاله أحدٌ قبله، ولا غيره، إلا من قلده. ولا مُتَعَلَّقٌ له بقرآنٍ ولا وسنةٍ صحيحةٍ ولا بأثرٍ غير ساقطٍ ولا بقول صاحبٍ ولا تابعٍ ولا معقولٍ ولا قياسٍ ولا رأيٍ له وجهٌ يُعرف».

أصبح الإمام مالك فقيهاً وأخذ يفتي، بعد أن قارب الأربعين (مالك لأبي زهرة ص47)، وتعرض لكثير من السخرية لمخالفته من هم أعلم منه. قال سعيد بن أيوب: «لو أن الليث ومالك اجتمعا لكان مالك عند الليث أبكم، ولباع الليث مالكاً فيمن يريد»! (الرحمة الغيثية لابن حجر ص6). ونقل ابن عبد البر المالكي في "جامع بيان العلم وفضله" (2|1109) عن سلمة بن سليمان (ثقة ثبت) قال: قلت لابن المبارك (فقيه خراسان): «وضعتَ من رأي أبي حنيفة، ولم تضع من رأي مالك؟». قال: «لم أره (أي: رأي مالك) عِلْماً».

بالمقابل فقد قال أتباع مالك كلاماً كثيراً فيه بلغ حد المبالغة. حيث قالوا أنه مكتوب على فخذ مالك أن مالكَ حُجّة الله! وقالوا أنه لا يدخل الخلاء إلا مرة كل ثلاثة أيام لأنه يستحي! وقالوا أنهم رأوا في المنام أخبار عن أمواتهم أنهم لما ماتوا وجاء الملَكين إليهم لمحاسبتهم، ظَهَرَ مالك لهما وصرفهما عن الموتى! (انظر مشارق الأنوار للعدوي ص288). وذكر البعض أنهم رأوا في المنام النبي r فقالوا له أن مالك والليث يختلفان فمن هو الأعلم؟ فقال النبي r: مالك وارث جدي إبراهيم! (مناقب مالك للزاوي ص18). وقيل أنهم سئلوا النبي r من بعدك؟ فقال: مالك!

ومالك –وإن كان ثقة في الحديث– فهو صاحب رأي، أخذه من شيخه ربيعة الرأي (قيل 136، وقيل 142هـ). وربيعة صاحب رأي مشهور به حتى صار جزءاً من اسمه. وقد تألّم سعيد بن المسيّب –شيخ فقهاء أهل الحديث في المدينة– من ربيعة الرأي لما اعترض على برأيه على السنة في دية الأصابع. فقال سعيد: «أعراقي أنت؟ (لشهرة أهل العراق بالرأي) إنها السنة». ومع حب أهل المدينة لربيعة واحترامهم له، فقد كانوا يكرهون إفراطه بالرأي. قال محمد بن سعد: «كانوا يتقونه لموضع الرأي». وروى عبد الله بن الإمام أحمد في "العلل" (#4596) عن أبيه: قال سفيان بن عيينة: «ثلاثة أولاد سبايا الأمم يعجبون برأيهم: بالبصرة عثمان البتي، وبالمدينة ربيعة الرأي، وبالكوفة أبو حنيفة». وقريباً منه في "سؤالات ابن هانئ" (#2099). وربيعة الرأي –رحمه الله– هو الذي أخذ عنه الإمام مالك الفقه، فتوسع بالرأي أكثر من شيخه. كما أن أبا حنيفة أخذ الفقه عن حماد، فتوسع بالرأي أكثر من شيخه. قال مصعب بن عبد الله عن ربيعة الرأي: «عنه أخذ مالك بن أنس». وهو أمر يقر به الإمام مالك، حتى أنه روى عنه ابن اخته مطرف قوله: «ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة بن أبي عبد الرحمن».

وقد تكلم بعض أهل الحديث في مالك في هذا، مع توثيقهم لإياه في الحديث. وأهل الحديث عندما يمدحون مالكاً فإنهم غالباً يقصدون ثقته في الحديث وعلو إسناده ووثاقة رجاله. لكن بعضهم كان يذم رأيه. وقد لخص أحمد رأيه بمالك فقال: «حديثٌ صحيح، ورأيٌ ضعيف».

إذ روى الخطيب في تاريخ بغداد (13|445) عن إبراهيم بن إسحاق الحربي (ثقة فقيه) قال: سمعت أحمد بن حنبل أنه سُئل عن مالك، فقال: «حديثٌ صحيح، ورأيٌ ضعيف». فانظر لإنصاف إمام أهل الحديث في عصره، كيف فرّق بين قوة حفظ مالك للحديث وبين ضعف رأيه. وقال أحمد بن حنبل: بلغ ابن أبي ذئب أن مالكاً لم يأخذ بحديث "البيعان بالخيار". فقال: «يُستتاب. فإن تاب، وإلا ضربت عنقه». ثم قال أحمد: «هو أورع وأقوَلُ بالحق من مالك». أي أن أحمد موافق لفتوى ابن أبي ذئب في استتابة مالك. والحديث السابق أخرجه الإمام مالك في موطأه وصرح بأنه لا يعمل به! مع أنه حديث صحيح مشهور بين علماء المدينة، حتى قال عنه الإمام أحمد (كما في العلل 1|539): «هذا خبر موطوء (مشهور) في المدينة».

وروى حيان بن موسى المروزي قال: سُئِلَ ابن المبارك: مالك أفقه أو أبو حنيفة؟ قال: «أبو حنيفة (أفقه من مالك)». وفي تاريخ بغداد (13|343) عن محمد بن مقاتل (أبو الحسن الكسائي، ثقة متقن) قال: سمعت ابن المبارك قال: «إن كان الأثر قد عُرِفَ واحتيج إلى الرأي، فرأي: مالك وسفيان وأبي حنيفة. وأبو حنيفة: أحسنهم وأدَقّهم فِطنةً وأغوصهم على الفقه. وهو أفقه الثلاثة». وابن المبارك من كبار أئمة الإسلام. قال عنه ابن حجر: «ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، جمعت فيه خصال الخير». و قال عن ابن حبان: «كان فيه خصال لم تجتمع في أحد من أهل العلم في زمانه في الأرض كلها». و قال ابن عيينة: «نظرت في أمر الصحابة، فما رأيت لهم فضلاً على ابن المبارك، إلا بصحبتهم النبي r و غزوهم معه». بل إن مالك نفسه كان يعظمه ويقول عنه: «فقيه خراسان». وقد صاحب ابن المبارك هؤلاء الثلاثة.

ونقل ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله" (2|1080) عن الليث بن سعد أنه قال: «أحصيتُ على مالك بن أنس سبعينَ مسألة، كلها مخالفة لسُنة رسول الله r مما قال فيها برأيه. ولقد كتبت إليه أعِظهُ في ذلك». وسيأتي بيان فضل الليث على مالك في الفقه، كما نص الشافعي وغيره، وأقر ذلك بعض كبار تلاميذ مالك المنصفين. ونقل ابن عبد البر (2|1105) عن المروزي قال: «وكذلك كان كلام مالك في محمد بن إسحاق، لشيءٍ بلَغَه عنه تكلّم به في نَسَبه وعِلْمه».

وقال ابن عبد البر (2|1115): «وقد تكلّم ابن أبي ذئب في مالك بن أنس بكلامٍ فيه جفاء وخشونة، كرهتُ ذِكره، وهو مشهورٌ عنه. قاله إنكاراً لقول مالك في حديث البيِّعين بالخيار...، وتكلم في مالك أيضاً -فيما ذكره الساجي في كتاب "العلل": عبد العزيز بن أبي سلمة (ثقة مدني، قال أشهب: هو أعلم من مالك. وهذه شهادة أحد أكبر فقهاء المالكية في مصر)، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (رجل صالح له تفسير)، وابن إسحاق (إمام المغازي)، وابن أبي يحيى، وابن أبي الزناد (نبيل عالم بالقرآن، ولم يكن بالحافظ)، وعابوا عليه أشياء من مذهبه. وتكلم فيه غيرهم لتركه الرواية عن سعد بن إبراهيم، وروايته عن داود بن الحصين وثور بن زيد. وتحامل (!) عليه الشافعي وبعض أصحاب أبي حنيفة في شيء من رأيه حسَداً (!) لموضع إمامته. وعابَهُ قوم في إنكاره المسح على الخفَّين في الحضر والسفر (رغم تواتر تلك السنة)، وفي كلامه في علي وعثمان (رضي الله عنهما)، وفتياه إتيان النساء من الأعجاز (أي في أدبارهن)، وفي قعوده عن مشاهدة الجماعة في مسجد رسول الله r. ونسبوه بذلك إلى ما لا يحسن ذِكره».

وابن عبد البر مالكي المذهب، لم يسرد هذه الأقوال ليطعن بالإمام مالك –وحاشاه–. إنما ذكرها ليُبَيِّنَ أن مالكاً قد طعن به أهل الحديث بسبب كراهيتهم للرأي. ولكن مالك شفع له عندهم أنه كان ثبتاً في الحديث، وما استطاعوا الاستغناء عن حديثه. ونفس الشيء تكرر مع عدد من أئمة أهل الرأي مثل سفيان الثوري (ذكره الترمذي في أهل الرأي) وغيره من علماء الكوفة. نقل ابن عبد البر قول أحمد لما قيل له: «أليس مالك تكلم بالرأي»؟ قال: «بلى، ولكن أبو حنيفة أكثر رأياً منه». ولذلك فإن الإمام ابن قتيبة (خطيب أهل السنة) في كتابه "المعارف" قد ذكر مالك في أصحاب الرأي، ولم يذكره مع أصحاب الحديث. فكان غالب كلامهم على أبي حنيفة الذي لم يكن عنده كثير الحديث، وما كان يعتني بألفاظه. فشاع عند بعض المتأخرين أن أبا حنيفة وحده كان صاحب رأي، والصواب أن مالكاً كذلك. إلا أن الشذوذ في مذهب مالك أقل، لاعتماده –في الغالب– على عمل أهل المدينة. علماً بأن العلامة ابن عابدين الحنفي ذكر في حاشيته "رد المحتار على الدر المختار" أن أقرب المذاهب لمذهب الإمام أبي حنيفة هو مذهب الإمام مالك. والسبب أن كليهما من أصحاب الرأي، رحم الله الجميع وعفا عنهم.

ثم ليس المقصود –بمقولة الإمام أحمد– أن الإمام مالك هو أحفظ الناس. وإنما كان ثقةً ثبتاً، لكنه أخطأ في عدة أحاديث. حتى أن سفيان الثوري يقول (كما في تاريخ بغداد 9|164): «مالك ليس له حفظ»، ويقصد مقارنة بأئمة أهل الحديث الكبار. وذكر أبو نعيم الحافظ عن الإمام علي بن المديني قال سألت يحيى بن سعيد (الإمام المعروف)، قلت له: «أيما أحب إليك: رأي مالك أو رأي سفيان؟» (وكلاهما من ثقات أهل الرأي كما هو معلوم). قال: «سفيان. لا يُشَكُّ في هذا! سفيان فوق مالك في كل شيء». وقال الإمام يحيى بن معين –كما في تاريخ بغداد (9|164)–: «سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: سفيان الثوري أحب إليّ من مالك في كلّ شيء. يعني في الحديث، وفي الفقه، وفي الزهد».

قال الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (1|223): «قد ذكر بعض العلماء أن مالكاً عابه جماعة من أهل العلم في زمانه، بإطلاق لسانه في قوم معروفين بالصلاح والديانة والثقة والأمانة»، ثم ذكر أمثلة على ذلك. ثم ذكر ممن عابه: ابن أبي ذئب، وعبد العزيز الماجشون، وابن أبي حازم، ومحمد بن إسحاق. وقد ناظره عمر بن قيس –في شيء من أمر الحج بحضرة هارون– فقال عمر لمالك: «أنت أحياناً تخطئ، وأحياناً لا تصيب». فقال مالك: «كذاك الناس»!

وقد طعن الإمام مالك في إمام المغازي محمد بن إسحاق، واتهمه بأنه "دجال من الدجاجلة"، لمجرد أنه تكلم في نسبه. مع أن هذا الأمر قد اختلف فيه اختلافاً كبيراً. جاء في سير أعلام النبلاء (8|71): «قال القاضي عياض (مالكي المذهب): أختلف في نسب "ذي أصبح" اختلافاً كثيراً. وروي عن ابن إسحاق أنه زعم أن مالكاً وآله موالي بني تيم، فأخطأ. وكان ذلك أقوى سبب في تكذيب الإمام مالك له وطعنه عليه». وابن إسحاق مسبوق بالإمام الزهري، كما سبق بيانه.

في تهذيب التهذيب (3|403): قال الساجي: ويُقال إن سعداً (يقصد قاضي المدينة الثقة الثبت الإمام سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف) وعَظَ مالكاً فوجد عليه، فلم يروِ عنه. حدثني أحمد بن محمد سمعت أحمد بن حنبل يقول: «سعدٌ ثقة». فقيل له: «إن مالكاً لا يحدِّث عنه». فقال: «من يلتفت إلى هذا؟! سعد ثقة، رجل صالح». حدثنا أحمد بن محمد سمعت المعيطي يقول لابن معين: «كان مالك يتكلم في سعد، سيّد من سادات قريش. و يروي عن ثور و داود بن الحصين، خارجيّين خبيثين!»... وقال أحمد بن البرقي: سألت يحيى عن قول بعض الناس في سعد أنه كان يرى القدر وترك مالك الرواية عنه. فقال: «لم يكن يرى القدر، وإنما ترك مالك الرواية عنه لأنه تكلم في نسب مالك (وقد تقدم أن هذه مسألة خلافية)، فكان مالك لا يروي عنه. وهو (أي سعد) ثَــبْتٌ لا شك فيه». انتهى.

كما أن الإمام مالك –غفر الله له– قد طعن بشدة في الإمام أبي حنيفة بغير أن يذكر سبباً. قال مالك (كما في كامل ابن عدي 7|6): «الداء العضال: الهلاك في الدين. وأبو حنيفة من الداء العضال». أقول: حسبنا الله ونعم الوكيل. أيكون فقه الإمام أبي حنيفة هو هلاكاً للدين؟ فما حكم المسلمين الذين يعتنقون مذهبه؟ وقال مالك بن أنس (كما في ضعفاء العقيلي 4|281): «إن أبا حنيفة كادَ الدين، ومن كادَ الدين فليس له دين». ولا حول ولا قوة إلا بالله. الإمام النعمان ليس له دين! هذا عدا عن طعن الإمام مالك بإمام الشام الأوزاعي، مما ذكره ابن عبد البر في كتابه السابق.

وهنا يجب التنبيه على أن الإمام مالك لا يمثل بالضرورة فقه أهل المدينة كلهم، كما يزعم أتباعه. فهو له آراء واجتهادات تفرد بها. والمدينة فيها الكثير من الفقهاء من طبقته، ما وافقوه في كل اجتهاداته. فاختزال كل مذاهب هؤلاء الأئمة في مذهب الإمام مالك، ظلم لهم. ولعل أول من خلط بين الأمرين هو الإمام محمد بن الحسن في كتابه "الحجة على أهل المدينة"، فرد عليه الإمام الشافعي، وبين له أن كثيراً من تلك المسائل لم يوافق بها مالك أهل مدينته، فكيف يمثّلهم؟! ومن هنا فقضية إجماع أهل المدينة التي يتمسك بها المالكية، غير مسلمة لهم. ولا بد من الإتيان بدليل من الكتاب والسنة.

ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء (8|156) عن الشافعي أنه قال: «الليث أفقه من مالك، ولكن الخطوة لمالك». وقال: «الليث أتبع للأثر من مالك». وفي تاريخ بغداد (2|298) عن أحمد بن حنبل قال: «كان ابن أبي ذئب ثقة صدوقاً، أفضل من مالك بن أنس». وفي (2|175) عن يحيى بن صالح قال: «محمد بن الحسن –فيما يأخذه لنفسه– أفقه من مالك». وفي (9|164) عن علي بن المديني قال: سألت يحيى بن سعيد قلت له: «أيما أحب إليك، رأي مالك أو رأي سفيان؟». قال: «سفيان! لا يُشَكُّ في هذا... سفيان فوق مالك في كل شيء، يعني في الحديث وفي الفقه وفي الزهد». وفي (2|302) أن شامياً سأل الإمام أحمد: «من أعلم، مالك أو ابن أبي ذئب؟». فقال: «ابن أبي ذئب في هذا أكبر من مالك، وابن أبي ذئب أصلح في دينه وأورع ورعاً، وأقوم بالحق من مالك عند السلاطين. وقد دخل ابن أبي ذئب على أبي جعفر، فلم يهبه أن قال له الحق. قال: "الظلم فاشٍ ببابك". وأبو جعفر: أبو جعفر (يقصد في ظلمه وبطشه، حتى أنه قتل عمه)».

وفي تهذيب التهذيب (8|415): قال يونس بن عبد الأعلى سمعت الشافعي يقول: «ما فاتني أحدٌ فأسفت عليه ما أسفت على الليث وابن أبي ذئب». وقال أحمد بن عبد الرحمن بن وهب: سمعت الشافعي يقول: «الليث أفقه من مالك، إلاّ أنّ أصحابه لم يقوموا به». وقال أبو زرعة الرازي: سمعت يحيى بن بكير يقول: «الليث أفقه من مالك، ولكن الحظوة لمالك». وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: «الليث أتبع للأثر من مالك». وفي طبقات المحدثين بأصبهان (1|406): عن الربيع عن الشافعي قال: «كان الليث بن سعد أفقه من مالك بن أنس، إلا أنه ضيعه أصحابه». قال النووي في شرحه على صحيح مسلم (2|11): «فهذان صاحبا مالك رحمه الله (الشافعي ويحيى)ـ وقد شهدا بما شهدا. وهما بالمنزلة المعروفة من الإتقان والورع وإجلال مالك ومعرفتهما بأحواله». ولكن الإنصاف عزيز عند المالكية. فأين بمن يقر منهم بما أقر به هذين الإمامين؟

لم يكن الإمام مالك معروفاً في العهد الأموي الذي عاش فيه ما يقارب الأربعين عاماً، لكنه عُرِفَ أثناء خلافة المنصور الخليفة العباسي حينما اشتد الخلاف بين أهل الرأي في الكوفة (مذهب أبو حنيفة ومذهب الثوري) وبين أهل المدينة (أساتذة مالك). ومن الملاحظ أن الداهية المنصور قد استغل –في أوائل خلافته– النزاع الفكري الذي حدث بين أهل العراق وأهل المدينة، فأخذ يقوي جانب العراقيين ويشد أزر الإمام أبي حنيفة وأصحابه ويستغل الموالي، ليحط بذلك أنفة العرب، وخصوصاً المدنيين منهم الذين كانوا يصرحون بعدم شرعية خلافة بني العباس.

وقد عاش الإمام مالك مستمتعاً بزينة الحياة الدنيا التي أحلها الله لعباده والطيبات من الرزق، ولم يُعرف عنه لا جهاد ولا رباط ولا رحلة في سبيل العلم، بل لم يكن معروفاً بنوافل الصلاة والصيام. حتى أن الإمام ابن المبارك الذي طاف في سائر الأقطار يقول: ما رأيت أحداً ارتفع مثل مالك، ليس له كثير صلاة ولا صيام»، يقصد ليس من المشهورين من ليست له نوافل إلا مالك. وقد وصل به الأمر آخراً إلى قعوده عن مشاهدة الجماعة في مسجد رسول الله r. وحاول أن ينأى بنفسه عن السياسة، راغباً عن مصاولة الحكام وإن كانوا ظالمين، حتى لقد أفتى بوجوب الطاعة للحاكم حتى إن كان ظالماً (بخلاف ما نقل عنه ابن حزم). وعلى هذا سار أيام الأمويين، ثم في دولة العباسيين... يحاول جهده أن يكون على الحياد.

وبعد أن نجح المنصور في إخماد ثورة "النفس الذكية"، قام واليه بضرب مالك بسبب فتوى مالك للناس أثناء الثورة، ببطلان طلاق المكره. وكان المنصور قد أخذ البيعة على الناس لنفسه بالإكراه وحلف الناس بالطلاق إن نكثوا. ففهم والي المدينة جعفر بن سليمان عمّ المنصور العباسي فتوى مالك (ولا أظنها كذلك) على أنها تحريض على نقض عهدهم، فأمر بضربه بالسياط. مما أثار سخط الناس على الخليفة، فهذا عالم يلتزم الحياد، ينأى بنفسه عن السياسة ودوران دولاتها، ويعكف على العلم. فإذا بالدولة بكل قوتها تبطش به! فلما بلغ هذا المنصور خاف من عواقب هذا الأمر، فادعى أن ضرب مالك لم يكن بأمره! وبعد أن قام بإخماد ثورة أهل المدينة، رأى أن يتودد إليهم عن طريق عالم معتدل، فوقع اختياره على مالك. فلما ورد المدينة رحّب بمالك وأدناه وأجلسه إليه. فلما وجد استجابة من مالك، أعجب المنصور بذلك، وعرض عليه إجبار عامة المسلمين في كل البلاد على اعتناق مذهبه، لأنه يريد بذلك التخلص من فقهاء العراق المعارضين له.

قال المنصور للإمام مالك: «ضع للناس كتابا أحملهم عليه». فحاول مالك أن يعتذر عن المهمة، ولكن المنصور ألحّ: «ضعه فما أحد اليوم أعلم منك». فقال مالك: «إن الناس تفرقوا في البلاد فأفتى كل مِصرٍ (أي بلد) بما رأى: فلأهل المدينة قول، ولأهل العراق قول تعدوا فيه طورهم». فقال الخليفة المنصور: «أما أهل العراق فلا أقبل منهم صرفاً ولا عدلاً. فالعلم علم أهل المدينة». فقال مالك: «إن أهل العراق لا يرضون عِلْمَنَا». فقال المنصور: «يضرب عليه عامتهم بالسيف، وتقطع عليه ظهورهم بالسياط» (انظر ترتيب المدارك: 30). فصنّف مالك كتابه الشهير: «الموطَّأ». هذا والمعروف أن مالكاً قد وضع الموطأ، وما كان يفرغ منه حتى مات المنصور (ترتيب المدارك 1|192)، أي أنه ألفه في أواخر عهد المنصور.

والملاحظ أن جملة المنصور: «أما أهل العراق فلا أقبل منهم صرفاً ولا عدلاً» فيها إشارة إلى يأسه منهم لكونهم علويين عقيدة يؤيدون بني هاشم، ولوجود أبي حنيفة والثوري بينهم اللذان لم يكونا على وفاقٍ مع الحكام. بل إن أبا حنيفة متهم بتحريض الناس على الانضمام إلى ثورة "النفس الذكية". وقد أبقاه المنصور في السجن حتى الموت. أما سفيان الثوري فقد حاول المنصور اعتقاله لكنه اختفى. وكان أكثر فقهاء أهل العراق معارضين للمنصور. ولأجل ذلك نرى المنصور يولي مالكاً عناية خاصة، ويطلب منه أن يكتب الموطأ، ويقول له في خبر آخر: «لنحمل الناس –إن شاء اللّه– على علمك وكتبك ونبثّها في الأمصار، ونعهد إليهم أن لا يخالفوها ولا يقضوا سواها». وقال له (كما في تذكرة الحفاظ 1|290): «لئن بقيتُ، لأكتبنّ قولك كما تُكتب المصاحف، ولأبعثنّ به إلى الآفاق فأحملهم عليه».

ومما شجّع العباسيين على نشر مذهب مالك، أنه كان يرى مساواة علي t لسائر الناس. فكان يقول بأن أفضل الأمّة هم أبو بكر وعمر وعثمان (رضي الله عنهم) ثم يقف ويقول: «ثم استوى الناس!» (انظر: ترتيب المدارك (1|45)، رواية أبي مصعب)، وفي رواية أخرى: «هنا وقف الناس. هؤلاء خيرة أصحاب رسول الله r. أمّر أبا بكر على الصلاة، واختار أبو بكر عمر، وجعلها عمر إلى ستة، واختاروا عثمان، فوقف الناس هنا». وزاد في رواية: «وليس من طلب الأمر كمن لم يطلبه». فهل يمكن أن نتساءل هل فعلا وقف الناس بعد عثمان؟ أليس علياً من الخلفاء الراشدين؟ ألم يذهب الأنصار والمهاجرون لمبايعته؟ فكيف وقف الناس؟ فإن قيل أنه لابن عمر t في الحديث الصحيح المرفوع الذي رواه حيث قال: «كنا نقول على عهد رسول الله r: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت». يعني فلا نفاضل. فقد يقال: لكن قوله: «وليس من طلب الأمر كمن لم يطلبه» فيه تعريض بعلي رضي الله عنه، واتهام له بأنه طلب الخلافة في سبيل الدنيا. وكانت المدينة قد ثارت زمن المنصور مطالبة بالحكم لأحد سلالة علي t المسمى بالنفس الذكية. وبذلك كانت الدولة العباسية مضطرة لإظهار هذه الرأي، ومحتاجة لنشره. وقد احتاجت إليه الدولة الأموية في الأندلس في ما بعد، عندما ظهر الأدارسة (من نسل الحسن) وشكلوا تهديداً لهم. كما أنه لم يرو عن أهل البيت مثل علي وابن عباس إلا النادر، مع أنهما عاشا في المدينة غالب حياتهما، وذرية علي سكنوا المدينة، وحديثه موجود عندهم لو أراد مالك روايته.

لكن المنصور هلك فور انتهاء مالك من كتابه. فجاء ولده المهدي من بعده ليكمل نفس الخطة. جاء في سير أعلام النبلاء (8|78): عن إبراهيم بن حماد الزهري، قال: سمعت مالكاً يقول: قال لي المهدي: «ضع يا أبا عبد الله كتاباً أحمِلُ الأُمّة عليه». فقلت: «يا أمير المؤمنين، أما هذا الصقع –وأشرتُ إلى المغرب– فقد كفيته. وأما الشام ففيهم من قد عَلِمت –يعني الأوزاعي–. وأما العراق فهم أهل العراق». يشير إلى تمكنه من فرض مذهبه في الحجاز وإفريقيا، وعجزه عن فرضه في الشام، لوجود إمامها الأوزاعي، وعجزه عن فرضه في العراق (خاصة الكوفة وبغداد)، لشدة كراهية العراقيين لمذهبه. وهنا اقتنع العباسيون بضرورة وجود مفتي ثاني عراقي موالٍ لهم، فكان اختيارهم لأبي يوسف، كما سيمر. وروى أبو نعيم في "الحلية" (كما في كشف الظنون 2|1908) أن هارون الرشيد أراد أن يعلّق الموطّأ في الكعبة ويحمل الناس على ما فيه! وجاء في مفتاح السعادة (2|87): لما أراد الرشيد الشخوص إلى العراق، قال لمالك: «ينبغي أن تخرج معي، فإني عزمت أن أحمل الناس على الموطّأ كما حمل عثمان الناس على القرآن». وهي في حلية الأولياء (6|331) لكن ذكر فيها المأمون بدلاً من الرشيد، وهو خطأ، والأول أصح.

فالخلفاء رغم جهودهم المتواصلة لم يتمكنوا من احتواء الإمامين سفيان الثوري وأبي حنيفة. أما الإمام مالك فقد تعاون مع السلطة ودخل في سلكها بعد الفتنة والإطاحة بثورة النفس الزكية وأخيه إبراهيم، فدوّن لها الموطأ. هذا مع العلم أنه كانت هناك كتب فقهية حديثية، على نمط موطأ مالك، قد كتبها فقهاء قبله. وأشهرها موطأ ابن أبي ذئب، وكتاب عبد العزيز الماجشون. ونحن نعلم بأن الإمام مالكاً –وقبل توجُّه الحكومة إليه– لم تكن له تلك المكانة. بل إن والده أنس بن مالك بن أبي عامر لم يكن معروفاً عند العلماء، ولم يفصح التاريخ بشيء -ذي قيمة- عن حياته ولا تاريخ وفاته. وروايته للحديث قليلة جداً، وإن كان ثقة. بل كل ما كان يقال عنه بأنه أخو النضر المقرئ.

ونقل أبو بكر الصنعاني: أتينا مالك بن أنس فحدثنا ربيعة الرأي –وهو أُستاذ مالك ومعلمه– فكنا نستزيده، فقال لنا ذات يوم: «ما تصنعون بربيعة وهو نائم في ذاك الطاق؟». فأتينا ربيعة، فقلنا: كيف يُحْظَى بِكَ مالِكُ، ولم تُحظَ أنت بنفسك؟ فقال: «أما علمتم أن مثقالاً من دولة، خيرٌ من حِمل علم». انظر: طبقات الفقهاء لأبي إسحاق (ص54)، و تاريخ بغداد (8|424). وفي هذا النص إشارة إلى دور السياسة والحكومة في ترسيخ المذاهب وتقديم المفضول مع وجود الفاضل. وقد جاء في تاريخ بغداد (8|425) أن أبا العباس أمر لربيعة الرأي بجائزة فرفض أن يقبلها، فأعطاه خمسة آلاف درهم ليشتري بها جارية فامتنع عن قبولها. وجاء في صفوة الصفوة (2|151) أن الخليفة السفاح عرض عليه القضاء فأبى. فهذا سبب أُفول نجم ربيعة، وبروز تلميذه مالك الأقل علماً منه. لكن الحكام تمكنوا –بمرور الأيام– من احتواء نهج الإمام أبي حنيفة النعمان، بتقريبهم لأبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني والحسن بن زياد اللؤلؤي، وإناطة القضاء والإفتاء بهم. وكان ذلك بالطبع بعد وفاة شيخهم النعمان.

واتخاذ هذا الموقف من قِبَلِ مالك لمصالح الحكام، جعل أُستاذه ربيعة الرأي يبتعد عنه، لأنه كان لا يداهن السلطان ولا يرتضي التعامل معهم. فلذلك هجر الناس –تبعاً للحكومة– ربيعة الرأي، والتفوا حول مالك. فاستجاب مالك لطلب المنصور، وألف "الموطأ" مع علمه بأن أهل العراق لا يستجيبون لما كتبه، لكن المنصور طمأنه بأنه سيحملهم عليه بالقوة والسلطان! فصار "الموطأ" دستور الحكومة، وأول كتاب دون في الحديث للدولة العباسية. وروى أن القزاز قرأ الموطأ على مالك ليعلمه للرشيد ويبينه. وأمر الرشيد عامله على المدينة بأن لا يقطع أمراً دون مالك. واشتهر عن الرشيد أنه كان يجلس على الأرض أمامه لاستماع حديثه، والهدف هو رفع شأن مالك أمام العوام.

وقد ثبت في التاريخ أن السلطة حصرت الإفتاء أيام الموسم بمالك. وجاء عن مالك انه كان يعترض على من يخالف رأيه وإجماع أهل المدينة (المزعوم)! فقد جاء في كتابه إلى الليث بن سعد (كما في ترتيب المدارك 1|36): «اعلم رحمك الله أنه بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مختلفة، مخالفه لما عليه جماعة الناس عندنا وبلدنا الذي نحن فيه...». قال الدهلوي في "حجة الله البالغة" (1|152): «فأي مذهب كان أصحابه مشهورين وسُدَّ إليهم القضاء والإفتاء واشتهرت تصانيفهم في الناس، ودرسوا درساً ظاهراً انتشر في أقطار الأرض: لم يزل ينتشر كل حين. وأي مذهب كان أصحابه خاملين، ولم يولوا القضاء والإفتاء، ولم يرغب فيهم الناس: اندرس بعد حين». والمنصور بتقريبه مالكاً وإعطائه المكانة العليا، ومحاولة توحيد الحديث والفقه على يده، قد قلّل من نفوذ الآخرين. ومنذ أواخر عهد المنصور وحتى أواخر عهد الرشيد تمكنت الحكومة من السيطرة على الاتجاهين: فقه العراق وفقه الحجاز، وذلك بتقريبهم أبا يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني في بغداد وتقليدهم منصب القضاء، ووجود مالك في المدينة من قبل في ركابهم.

وبعد لقاء المنصور بمالك، أصبح مالك بعد ذلك يعد من رجالات الخليفة، حتى أصبح الولاة يخشونه بعدما أصبح أمْر عزلهم على يد مالك سهلاً. حتى أن المنصور قال له: «إن رابك ريبٌ (شكٌّ) من عامل المدينة أو مكة أو عمال (أي ولاة) الحجاز في ذاتك أو ذات غيرك، أو سواء أو شر بالرعية، فاكتب إلي أنزل بهم ما يستحقونه». و استمر تعظيم مالك في أواخر حكم الخليفة المنصور. وفي عهد الخليفة المهدي والرشيد أصبح لمالك سلطة تنفيذية يستطيع ضرب وسجن من يشاء (انظر مناقب مالك للزاوي ص30). وكان مالك قد أفتى بجواز ضرب المتَّهم، فلقي أثر تلك الفتوى الاستحسان لدى الخلفاء العباسيين، وعُرف ذلك فيما بعد بالمصالح المرسلة في الفقه المالكي. وكان مالك يعمل جولات تفقدية في السجون ويصدر الأوامر بالضرب والقطع والصلب (انظر كتاب مالك بن أنس لأمين الخولي ص139).

وبذلك صار ذا منزلة ومكانة في الدولة، وقد اعتنى به المنصور وغيره من خلفاء بني العباس، حتى رووا عن ابن وهب، قال: حججت سنة ثمان وأربعين ومئة (148 هـ، أي في وسط خلافة المنصور) وصائح يصيح: «لا يفتي الناس إلاّ مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة (الماجشون)». وقد توفي الماجشون قبل مالك بزمن، فلم يعد له منافس. وقد ساعد ذلك في انتشار مذهب مالك، واتساع دائرته، خاصة في شمال إفريقيا (القيروان) حيث لم يكن له منافس. ثم منها انتشر فيما بعد إلى إفريقيا الغربية والوسطى. وكان الناس يأتون من إفريقيا للحج، فلا يجدون فقيهاً تجيز له الدولة الفتوى إلا مالكاً، فأخذوا مذهبه. بل انتشر في مصر كذلك بعد وفاة إمامها الليث، حيث ساهم تلامذة مالك في إتلاف كتبه وتضييع فقهه، رغم أنه كان أفقه من مالك، كما نص الشافعي وغيره. أما في العراق، فقد وصل مذهبه إلى بغداد والبصرة، لكنه كان يواجه منافسة قوية من فقهاء العراق، رغم محاولة فرضه بالقوة. وكذلك في الشام جوبه بمذهب الإمام الأوزاعي.

قال العلامة ابن خلدون المالكي في "مقدمته" الشهيرة (ص449، ط دار القلم): «وأما مالك رحمه الله تعالى، فاختص بمذهبه أهل المغرب والأندلس، وإن كان يوجد في غيرهم (كالبصرة وبعض أطراف الجزيرة). إلا أنهم لم يقلدوا غيره إلا في القليل، لما أن رحلتهم كانت غالبا إلى الحجاز، وهو منتهى سفرهم، والمدينة يومئذ دار العلم، ومنها خرج إلى العراق. ولم يكن العراق في طريقهم، فاقتصروا عن الأخذ عن علماء المدينة يومئذ. وإمامهم مالك وشيوخه من قبله وتلميذه من بعده. فرجع إليه أهل المغرب والأندلس وقلدوه، دون غيره ممن لم تصل إليهم طريقته. وأيضاً فالبداوة كانت غالبة على أهل المغرب والأندلس، ولم يكونوا يعانون الحضارة التي لأهل العراق، فكانوا إلى أهل الحجاز أميل لمناسبة البداوة. ولهذا لم يزل المذهب المالكي غضّاً عندهم، ولم يأخذه تنقيح الحضارة وتهذيبها، كما وقع في غيره من المذاهب» (وقريباً منه في طبعة دار الهلال). ويقصد بذلك أن المذهب المالكي كان مجرد أسئلة وأجوبة مختصرة دون أدلة ومناظرات وقواعد وردود على الخصوم. ولم تكن له كتب أصول، وإنما كُتبت بعد عصور من وفاة الإمام مالك بالتدريج. والأصول الفقهية عند مالك بلغت عشرين عند الهسكوري الفاسي، لكنها زادت إلى الألف والمئتين عند المَقًّرِي وغيره! وما أعلم إلى أي عدد وصلت إليه اليوم.

وقد انتشر مذهب مالك –بعد وفاته– في الأندلس على يد يحيى بن يحيى بن أبي عيسى. وكان يحيى هذا مكيناً عند السلطان (عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، وأبيه من قبل) وكان يختار للقضاء من هم على مذهبه، فأقبل الناس إليه. وتوفي بقرطبة سنة (234 هـ). وبذلك تم بالقوة استبدال مذهب الأوزاعي في الأندلس بمذهب مالك، مع منع المذاهب الأخرى. وبذلك نفهم سبب المعارضة الشديدة لابن حزم الذي حاول –عبثاً– تغيير التعصب و الجمود الفكري عند المالكية في الأندلس.

يقول ابن حزم في مجموع رسائله (ملحق #13، 2|229): «مذهبان انتشرا عندنا –في أول أمرهما– بالرياسة والسلطان: مذهب أبي حنيفة، فإنه لما ولي القضاء أبو يوسف، كانت القُضاة من قِبَلِهِ من أقصى المشرق إلى أقصى عمل إفريقية. فكان لا يولّي إلا أصحابه والمنتسبين لمذهبه. ومذهب مالك –عندنا بالأندلس–. فإن يحيى بن يحيى كان مكيناً عند السلطان مقبول القول في القضاة. وكان لا يلي قاضٍ في أقطار بلاد الأندلس، إلا بمشورته واختياره. ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه! والناس سُرّاعٌ إلى الدنيا. فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم به... وكذلك جرى الأمر بإفريقية لما ولي القضاء بها سحنون بن سعيد، ثم نشأ الناس على ما انتشر».

مع العلم أن رواية يحيى بن يحيى (التي فرضها السلطان) ليست رواية جيدة للموطأ. بل أفضل رواة موطأ مالك هم: القعنبي ثم معن ثم ابن وهب وعبد الله بن يوسف ثم محمد بن الحسن الشيباني. وتمتاز رواية ابن وهب بأنه أقدم من روى عن مالك. وتمتاز رواية محمد بن الحسن بذكرها للأقوال الفقهية لمالك، ومناقشتها من وجهة نظر الأحناف. وتمتاز رواية أبي مصعب بأنها أكبر الروايات ومن أواخرها. أما رواية يحيى بن يحيى الليثي فقد اشتهرت لأنه آخر من روى عن مالك، وفيها الكثير من الآراء الفقهية لمالك (وليست كلها سماعاً من مالك كما هو معروف، بل كثير منها عن أصحابه). لكن فيها أخطاء كثيرة. وقد أوصل إبراهيم بن حمد بن باز وحده أخطاء يحيى الليثي إلى ثلاثمئة خطأ (أكثرها في الأسانيد)، وهو من رواة الموطأ عنه. والسبب هو قلة ضبط يحيى. قال ابن حجر عنه: «صدوق فقيه قليل الحديث له أوهام»، وليس فيه توثيق إلا قول ابن عبد البر المالكي: «كان ثقة عاقلاً ... ولم يكن له بصرٌ بالحديث». وقال في موضع آخر: «إلا أن له وهماً و تصحيفاً في مواضع كثيرة».

وسبب تَبَنّي حاكم الأندلس لمذهب مالك، هو أن مالكاً سأل بعض الأندلسيين عن سيرة ملك الأندلس، فوصف له سيرته، فأعجبت مالكاً. فقال للأندلسي: «نسأل الله تعالى أن يُزيِّنَ حَرَمَنا بملِكِكُم». فبلغ هذا ملك الأندلس، فحمل الناس على مذهب الإمام مالك وترك مذهب الإمام الأوزاعي. وانظر نفح الطيب (3|239). هذا بالإضافة لأمور أخرى مثل بجواز ضرب البريء المتَّهم، وموقفه من علي بن أبي طالب t كما مر سابقاً. وهو الموقف الذي قال عنه أبو زهرة: «إن ذلك الحكم يدل على نزعة أموية».

وبذلك أصبح مذهب الإمام مالك، هو المذهب الرسمي للدولة الأموية في الأندلس. وما كانوا يعينون قضاة أو يسمحون لفقيه أو عالم، بالفتيا أو إلقاء الدروس، إن لم يكن من أتباع الإمام مالك. ولم يسمحوا لمذهب غيره بالوجود في الأندلس، كما فرض العباسيون في المشرق مذهب الإمام أبي حنيفة. قال الباحث المالكي د. عبد الهادي حميتو في "قراءة الإمام نافع عند المغاربة" (1|162): «ولقد غدا الأخذ بمذاهب المدنيين شعار الدولة في الأندلس، وتجاوز الأمر فيه مستوى الاقتناع والإقناع بجدارته وأحقيته، إلى مستوى الإلزام الذي لا خيار فيه لأحد في الميدان الفقهي والعملي، ابتداء من حياة مالك حيث كانت الخطوات الحثيثة نحو ترسيمه، وانتهاء إلى عهد القوة والملك العريض الذي تأثل لأمويي الأندلس في المئة الرابعة على أيام عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم المستنصر والحاجب المنصور بن أبي عامر». قال (1|179): «ويتجلى طابع القسر والإلزام في هذه الأوامر الرسمية التي كانت تصدر في هذا الصدد من الحكم، في المنشور الخلافي الآخر الذي بعث به الحكم المستنصر الأموي إلى الفقيه أبي إبراهيم، ومما جاء فيه قوله: "وكل من زاغ عن مذهب مالك فإنه ممن رين على قلبه، وزين له سوء عمله، وقد نظرنا طويلا في أخبار الفقهاء، وقرأنا ما صنف في أخبارهم إلى يومنا هذا، فلم نر مذهبا من المذاهب غيره أسلم منه"... أي تحول عندهم الانحراف عن مذهب مالك: انحرافاً عن الدولة نفسها، ورغبة بالخروج عليها».

وهذا الحكم يصرح بذلك في منشور له جاء فيه: «ومن خالف مذهب مالك في الفتوى، وبلغنا خبره، أنزلنا به من النكال ما يستحقه، وجعلناه عبرة لغيره، فقد اختبرت فوجدت مذهب مالك وأصحابه أفضل المذاهب، ولم أر في أصحابه ولا في من تقلد مذهبه غير معتقد للسنة والجماعة، فليتمسك الناس بهذا، ولينهوا الناس أشد النهي عن تركه، ففي العمل بمذهبه جميع النجاة» (المعيار 12|26). حتى قيل في أهل الأندلس انهم لا يعرفون سوى كتاب الله وموطأ مالك بن أنس، كما ذكر المقدسي في "أحسن التقاسيم" (ص177). و ذكر المقري في نفح الطيب (4|202) من رسالة إسماعيل الشقندي في "فضل الأندلس" أنهم «كانوا لا يولون حاكما إلا بشرط أن لا يعدل في الحكم عن مذهب ابن القاسم».

كما أن مذهب مالك، اصطدم –لاحقاً– في القيروان بمذهب أبي حنيفة، ودار صراع بين المذهبين. ومما ساهم في تفضيل مذهب مالك على مذهب أبي حنيفة، كون الأخير قد استولى عليه (بعد وفاة القاضي السلفي أبو يوسف) طائفة من المعتزلة القائلين بخلق القرآن من أمثال ابن أبي داؤود وأضرابه. حيث «كان فقهاء المالكية في جميع أقطار الشمال الافريقي وقفوا ضد تسرب مبادئ المعتزلة. بل انهم اتخذوا موقف عداء من الدولة الأغلبية لانحيازها لفقه أهل العراق ومبادئ المعتزلة» كما يذكر د عباس الجراري في أسباب انتشار المذهب المالكي ندوة القاضي عياض (1|180). حتى جاء العبيديون الرافضة فاستولوا على تونس. وبعد أن استقل عنهم المعز بن باديس، قضى على المذهب الحنفي، وفرض المذهب المالكي فقط. قال المؤرخ ابن خلكان كما في "وفيات الأعيان" (5|233): «وكان مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه بإفريقية (يقصد تونس) أظهر المذاهب. فحمل المعز بن باديس الصنهاجي جميع أهل المغرب على التمسك بمذهب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه، وحسم مادة الخلاف في المذاهب! واستمر الحال في ذلك إلى الآن».

وكذلك تبنى المرابطون في موريتانيا مذهب مالك لأنهم تلقوا العلم من مشايخ القيروان (بسبب قربها الجغرافي)، ونشروا مذهبه في إفريقيا الوسطى وإفريقيا الغربية. يقول المراكشي في "المعجب" (ص254) عن علي بن يوسف بن تاشفين : «ولم يكن يقرب من أمير المسلمين ويحظى عنده إلا من علم الفروع، أعني فروع مذهب مالك. فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب وعمل بمقتضاها ونبذ ما سواها، حتى نسي النظر إلى كتاب الله وحديث رسول الله r».

لم يكن مالك في حقيقة الأمر صاحب مذهب مؤسس على قواعد واضحة، وإنما كان شيخاً يفتي، ثم تحول في أواخر حياته إلى رجل تنفيذي في الدولة العباسية. وبالمفهوم الحديث يمكن القول أنه كان وزيراً للعدل والشئون الدينية، لكن تلامذته هم الذين أسسوا المذهب المالكي بعد وفاته، كما حدث في المذهب الحنفي.

غير أن بعض معاصري الإمام مالك عارضوه معارضة عنيفة. وخالفه ونقده بعض أصحابه، منهم الإمام الليث بن سعد فقيه مصر، وتلميذه الإمام الشافعي (في كتاب مشهور) حتى قال عنه أنه: «يقول بالأصل ويدع الفرع، ويقول بالفرع ويدع الأصل». وقال كذلك في كتاب "اختلاف الحديث" عن إجماع أهل المدينة: «قال بعض أصحابنا (يعرض بمالك): "إنه حُجة". وما سمعت أحداً ذكر قوله، إلا عابه. وإن ذلك عندي معيب». ولقد أرسل إليه صاحبه الليث بن سعد رسالة طويلة، ذكّرَهُ فيها بأن عمل المدينة لم يعُد سنّةً بعد، ولا يمكن أتباعه بعد عصر الرسول r والخلفاء الراشدين. فالصحابة خرجوا من المدينة بعد مقتل عمر، وتفرقوا في الأمصار، وبثوا فيها فقههم. لقد كان أوائل أهل المدينة في زمن الرسول r هم خير الأوائل، أما أواخرهم في زمن مالك، فلم يعودوا كذلك بعد.

وكان أسلوب مالك في الإفتاء بأن يجيب بنعم أو لا. ولم يكن يذكر أدلة على أقواله. قال أبو مصعب (أحد رواة الموطأ) عن مالك: «كان يقول: "لا"، و "نعم"، ولا يُقال له: "من أين قلت ذا؟"». بل قد تجده يذكر الحديث الصحيح في موطأه ثم يعلن بصراحة رفضه العمل به، دون أن يُبيّن مبرره في ذلك. وهذا مما أثار عليه نقمة بعض أهل الحديث، بما فيهم ابن أبي ذئب (أحد كبار فقهاء المدينة) وأفتى فيه الفتوى التي نقلها وأيدها الإمام أحمد بن حنبل، كما سبق ذكره.

وكان مالك إذا سُئِل سؤالاً لم يعجبه، يقوم بطرد السائل من مسجد النبي r. مما نشر الخوف في مجلسه، وأكسبه هيبة كبيرة، فلا يجرؤ أحد على سؤاله أو مناقشته. قال الذهبي: «كان رجلاً مهيباً نبيلاً ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط ولا رفع الصوت. وكان الغرباء يسألونه عن الحديث فلا يجيب إلا في الحديث بعد الحديث... كان له كاتب قد نسخ كتبه –يقال له حبيب– (متهم بالكذب) يقرأ للجماعة. فليس أحد ممن يحضره، يدنو ولا ينظر في كتابه ولا يستفهم هيبة لمالك».

وهذا انسحب بعده على تلامذته. فتراهم يكرهون المناظرة ولا يحبون إيراد الأدلة، إلا بعض العراقيين منهم (أو من درس عليهم) فقد اضطروا لذلك تبعاً لبيئة العراق (كعبد الوهاب والباقلاني). لكن أتباع المدرسة العراقية المالكية هم قلة انقرضت، وصار المذهب المالكي (إجمالاً) مذهب غرب إفريقيا فحسب، ولم يعد هناك مالكية مشارقة (والنادر لا حكم له). فالسمة الغالبة للمالكية، قلة النظر في الأدلة وكراهة المناظرات مع الخصوم. فلما أتاهم ابن حزم وناظر كبرائهم في الأندلس والمغرب، وطالبهم بالأدلة من الكتاب والسنة على آراء مالك، ما استطاعوا أن يجدوا أدلة. ويصف ذلك الوضع بدقة القاضي المالكي الإشبيلي أبو بكر بن العربي في كتابه "القواصم والعواصم"، فيقول عن ابن حزم: «واتفق كونه بين قومٍ لا بصر لهم إلا بالمسائل. فإذا طالبهم بالدليل كاعوا! فيتضاحك مع أصحابه منهم». وبقي هذا الوضع إلى اليوم. وهذا واضح في ما كتب على مختصر خليل ومتن ابن عاشر ورسالة ابن أبي زيد، وهذه المتون الثلاثة هي العمدة عند المتأخرين في بلاد المغرب. فلما حاول الدكتور وهبة الزحيلي كتابة موسوعته الفقهية، فوجئ بعدد كبير من مسائل المالكية ليس له دليل إلا "قال مالك"!!

يقول د. قطب الريسوني في مقال في مجلة "البيان" بعنوان "الوصل بين الفقه والحديث": «ولعل فقه المالكية أحوج من غيره إلى خدمة الفروع ببيان أدلتها ومسالك تعليلها، إذ لا يُعرف لمتقدمي المالكية تأليف في هذا الشأن، بخلاف قرنائهم من أصحاب المذاهب الأخرى». ثم يبين أن كتب المالكية منذ نشأتها لم تكن تعتني بذكر الأدلة من الكتاب والسنة، خلافاً لباقي المذاهب، فيقول: «هذا، وقد نشطت في غير المذهب المالكي حركة الاستدلال الفقهي. إذ ألفت كتب في الفقه الحنفي والشافعي والحنبلي مبنية علـى الدليـل ابتداءً كـ"الأم" للشافعـي، و "تحفـة الفقهـاء" لعـلاء الدين السمرقندي الحنفي (ت 539 هـ)، و "الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل" لابن قدامة. وصنفت كتب أخرى مجرّدة عن أدلتها، فاستدرك عليها مؤلفوها وغير مؤلفيها بشروح تُعنى ببسط أدلة المسائل من الكتاب والسنة والآثار، ومنها: "العزيز في شرح الوجيز" لأبي القاسم الرافعي الشافعي، و "البناية في شرح الهداية" للعيني في فقه الحنفية، و "الشرح الكبير على متن المقنع" لابن قدامة الحنبلي».

ولهذا كان عبد الله بن الحكم يقول لابنه محمد: «يا بني، الزم هذا الرجل فإنه صاحب حجج. فما بينك وبين أن تقول: "قال ابن القاسم"، فيضحك منك إلا أن تخرج من مصر». قال محمد: «فلما صرت إلى العراق جلست إلى حلقة فيها ابن أبي داود، فقلت: "قال ابن القاسم"! فقال: "ومن ابن القاسم؟". فقلت: "رجل مفتٍ يقول من مصر إلى أقصى الغرب"». (قال الراوي وأظنه قال) «قلت: "رحم الله أبي"». قال شيخ الإسلام: «كان مقصود أبيه: اطلب الحجة لقول أصحابك ولا تتبع، فالتقليد إنما يُقبَل حيث يُعَظَّمُ المقلَّد، بخلاف الحجة فإنها تُقبل في كل مكان». وهذه كانت مشكلة المالكية، لا يحفظ أكثرهم من الأدلة إلا "قال مالك" و"قال أصحابه". قال البيهقي (كما في توالي التأسيس ص147): «إن الشافعي إنما وضع الكتب على مالك (أي في الرد على مالك) لأنه بلغه أن بالأندلس قلنسوة لمالك يُستسقى بها. وكان يقال لهم: "قال رسول الله". فيقولون: "قال مالك"! فقال الشافعي: "إن مالكاً بَشَرٌ يخطئ". فدعاه ذلك إلى تصنيف الكتاب في اختلافه معه». وسيأتي في ترجمة الإمام الشافعي كيف نكّل المالكية به بسبب هذا.

إذ أنه لما ألف الإمام الشافعي كتاباً يرد به على الإمام مالك وفقهه، فغضب منه المالكيون المصريون بسبب الكتاب وأخذوا يحاربون الشافعي، وتعرض للشتم القبيح المنكَر من عوامهم، والدعاء عليه من علمائهم. يقول الكندي في "القضاة" (ص428): «لما دخل الشافعي مصر، كان ابن المنكدر يصيح خلفه: "دخلتَ هذه البلدة وأمرنا واحد، ففرّقت بيننا وألقيت بيننا الشر. فرّقَ الله بين روحك وجسمك"». وهذا فيه تحريض مبطّن لعوام المالكية لاغتيال الإمام الشافعي وتصفيته جسدياً. بل كان فقيههم "فتيان" يدخل المسجد ويشتم الشافعي بأقذع الشتائم أمام طلابه، والإمام الشافعي يتابع درسه ولا يجيبه. وقد قال الإمام موضحاً السبب لتلاميذه:

إِذا سَبَّني نَذلٌ تَزايَدتُ رِفعَةً * وَما العَيبُ إِلّا أَن أَكونَ مُسابِبُه

وَلَو لَم تَكُن نَفسي عَلَيَّ عَزيزَةً * لَمَكَنتُها مِن كُلِّ نَذلٍ تُحارِبُه

وقال كذلك:

إِذا نَطَقَ السَفيهُ فَلا تَجِبهُ * فَخَيرٌ مِن إِجابَتِهِ السُكوتُ

فَإِن كَلَّمتَهُ فَرَّجتَ عَنهُ * وَإِن خَلَّيتَهُ كَمَداً يَموتُ

 واصطدم الإمام الشافعي كذلك بأحد تلاميذ مالك المقربين ممن ساهم بنشر مذهبه في مصر، وهو أشهب بن عبد العزيز. وكان أشهب –لشدة حقده على الإمام الشافعي– يدعو عليه في سجوده بالموت! ثم قام المالكية بضرب الإمام الشافعي ضرباً عنيفاً بالهراوات حتى تسبب هذا بقتله –رحمه الله–. وقد اشتهر المالكية عبر التاريخ بتصفية خصومهم بالقوة. فالإمام مالك تكلم في قاضي المدينة سعد لأنه وعظه. وأخرج ابن إسحاق (قال مالك: "نحن أخرجناه من المدينة") وكذبه لأنه اتبع شيخه الزهري في جعل مالك مولى التميميين. وقد مر طعنه في الإمامين أبي حنيفة والأوزاعي. وانسحب هذا على أتباعه المالكية. وقد مر معنا كيف قضوا على مذهب إمام مصر الليث بن سعد. وفعلوا ما فعلوا بالإمام الشافعي. وضيعوا مذهب الإمام الأوزاعي بالأندلس. ولما طالبهم ابن حزم بالأدلة "كاعوا" (بإقرار أحد متعصبيهم) وعجزوا عن الحوار، لكنهم استعملوا السوط والسندان، وقاموا بإحراق كتبه.

يقول الإمام الذهبي في كتابه الشهير "زغل العلم": «الفقهاء المالكية على خير واتباع وفضل، إن سلم قضاتهم ومفتوهم من التسرع في الدماء والتكفير! فإن الحاكم والمفتي يتعين عليه أن يراقب الله تعالى ويتأنى في الحكم بالتقليد ولا سيما في إراقة الدماء. فالله ما أوجب عليهم تقليد إمامهم. فلهم أن يأخذوا منه ويتركوا كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر. فيا هذا إذا وقفت بين يدي الله تعالى فسألك: "لم أبحت دم فلان؟" فما حجتك؟ إن قُلتَ (أيها المالكي): "قلدت إمامي" (في إباحة دماء المسلمين)، يقول لك (الله عز وجل): "أفأنا أوجبت عليك تقليد إمامك؟!". ثبت أن النبي r قال: "أول ما يقضى بين الناس في الدماء". وفي الحديث: "لا يزال المرء في فسحة من دينه، ما لم يتند بدم حرام"».

وكان مالك كثير السخرية من خصومه، قليل الرد على أدلتهم. جاء في سير أعلام النبلاء (8|105): أن أبا خُلَيْدٍ قال لمالك: «إن أهل دمشق يَقْرَؤُونَ (في القرآن) إِبْرَاهَامُ». فقال مالك: «أهلُ دمشق بأكلِ البَطّيخِ أعلمُ منهم بالقراءة»!! قال له: أبو خليد: «إنهم يَدَّعُوْنَ قراءة عثمان». قال مالك: «فهذا مصحَفُ عثمان عندي» (أي عنده نسخة منه وليس الأصل). ودعا به، ففُتِحَ، فإذا فيه إِبْرَاهَامُ، كما قال أهل دمشق. اهـ. فهكذا يسخر مالك من قراءة متواترة للقرآن الكريم، دون أن يُكلّف نفسه بقراءة المصحف الذي في بيته (مع أن عمه كان مقرئاً)!

وقراءة "إبراهام" بدلاً من "إبراهيم" هي قراءة صحيحة متواترة. وهي قراءة ابن عامر، شيخ قراء أهل الشام. جاء في "حجة القراءات" (1|113): «قرأ ابن عامر إبراهام بألف... وحُجَّته في ذلك: أن كل ما وجده (في مصحف عثمان) بألف قرأ بألف، وما وجده بالياء قرأ بالياء، اتباع المصاحف. واعلم أن "إبراهيم" اسمٌ أعجمي دخل في كلام العرب. والعرب إذا أعربت اسماً أعجمياً، تكلمت فيه بلغات. فمنهم من يقول "إبراهام" ومنهم من يقول "أبرهم"». ولم يتفرد عثمان بن عفان t بهذه القراءة، بل تبعه غيره كذلك. جاء في فتح القدير (5|425): «وقرأ أبو موسى وابن الزبير إبراهام بألفين». وفي روح المعاني (30|111): «وقرأ أبو موسى الأشعري وابن الزبير إبراهام بألِفَين في كل القرآن».

كما عيب على مالك قلة اطلاعه على أقوال غير المدنيين، وزعمه الإجماع، فما اختلف فيه الناس كثيراً. ولعل السبب هو عدم خروجه منها، حيث لم يخرج لا لطلب علم ولا لجهاد ولا لرباط. وهذا أمرٌ –وإن فعله عدد من أهل العلم– فهو على خلاف عمل أهل الحديث. وأهمية الرحلة في طلب العلم، تكمن في أن الصحابة قد تفرقوا في الأمصار، ونشروا الحديث والفقه في الأمصار. فإذا أراد الفقيه أن يجمع هذا العلم، فلا بد له من الرحلة إلى تلك الأمصار وبخاصة الكوفة والبصرة والشام ومصر، فضلاً عن الحجاز. وهو ما فعله أكثر الأئمة الكبار مثل الشافعي وسفيان وابن المبارك وأحمد وغيرهم. وكان أبو حنيفة قليل الخروج من الكوفة إلا إلى الحج، فلما خرج أبو يوسف ومحمد إلى الحجاز، وناظروا العلماء (كالأوزاعي والشافعي) رجعوا عن كثير من أقوالهم. وكذلك رجع الإمام الشافعي عن كثير من أقواله لما خرج إلى العراق واستقر بمصر.

قال ابن حزم في "الإحكام" (4|565): «وهذا مالك يقول في موطئه: "إذ ذكر وجوب رد اليمين على المدعي إذا نكل المدعى عليه". ثم قال: "هذا ما لا خلاف فيه عن أحد من الناس، ولا في بلد من البلدان"!! قال أبو محمد: "وهذه عظيمةٌ جداً! وإن القائلين بالمنع من رد اليمين، أكثر من القائلين بردّها". ونا أحمد بن محمد بن الجسور نا وهب بن مسرة نا ابن وضاح نا سحنون نا ابن القاسم قال نا مالك: "ليس كل أحد يعرف أن اليمين ترد". ذكر هذا في كتاب السرقة من المدوّنة».

وخالف مالك عدة أحاديث صحيحة رواها في موطئه، زعماً أنها مخالفة لإجماع أهل المدينة (فضلاً عن الأحاديث التي ما رواها). وتتبع ذلك ابن حزم في رسالته في الرد على إجماع أهل المدينة في "الإحكام" (2|222)، وبَيَّنَ فيه أنه ليس من حديث ردوه إلا وقد عمل به أحدٌ من أهل المدينة. وبيّن كذلك بطلان كل أدلة الاحتجاج بعمل أهل المدينة عقلاً وشرعاً. وعلى النقيض من ذلك، كان مالك كثير المخالفة لإجماعات المسلمين، برأيه. وقد أحصى عليه الإمام محمد بن الحسن التميمي الجوهَري في كتابه "نوادر الفقهاء": 77 مسألة خالف بها مالك إجماع سائر المسلمين. وهذا أكبر عدد من المسائل الشاذة لأي فقيه ذكره الجوهري في كتابه. وما ذاك إلا لاعتماده للرأي وكرهه لمناقشة الأدلة. كما أنه -من باب أولى- قد خالف فقهاء المدنيين، كما بين الشافعي في "كتاب اختلاف مالك والشافعي" مطبوعة مع "الأم" (7|191-269).

ورد مالك للحديث الصحيح بدعوى مخالفة عمل أهل المدينة، أمر نص عليه. قال أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن المغربي المعروف بالحطاب في كتابه الشهير "مواهب الجليل شرح مختصر خليل" (6|96): «نص مالك في كتاب الجامع من العتبية وغيره على: مخالفة نص الحديث الصحيح إذا كان العمل بخلافه».

واشترط جمهور المالكية للعمل بالحديث الصحيح أن لا يَكُوْن مخالفاً لعمل أهل المدينة. وَقَدْ فند أدلتهم ابن حزم من وجوه حاصلها:
1- إن الخبر المسند الصَّحِيْح قَبْلَ العمل بِهِ، أحق هُوَ أم باطل؟ فإن قالوا: حق، فسواء عمل بِهِ أهل المدينة أم لَمْ يعملوا، لَمْ يزد الحقَ درجةً عملُهُم بِهِ وَلَمْ ينقصه إن لَمْ يعملوا بِهِ، وإن قالوا باطل، فإن الباطل لا ينقلب حقاً بعملهم بِهِ، فثبت أن لا معنى لعمل أهل المدينة أو غيرهم.
2- العمل بالخبر الصَّحِيْح متى أثبت الله العمل بِهِ، أقبل أن يعمل بِهِ أم بَعْدَ العمل بِهِ؟ فإن قالوا: قَبْلَ أن يعمل بِهِ، فَهُوَ كقولنا. وإن قالوا: بَعْدَ أن يعمل بِهِ، لزمهم عَلَى هَذَا أن العاملين بِهِ هم الَّذِيْنَ شرعوا الشريعة، وهذا باطل.
3- نقول: عمل من تريدون؟ عمل أمة مُحَمَّد r كافة، أم عمل عصر دُوْنَ عصر، أم عمل رسول الله r، أم أبي بكر، أم عمر، أم عمل صاحب من سكان المدينة مخصوصاً؟ فإن قالوا: عمل الأمة كلها، فَلاَ يصح. لأن الخلاف بَيْنَ الأمة مشتهر، وهم دائمو الرد عَلَى من خالفهم. فلو كَانَتْ الأمة مجمعة عَلَى هَذَا القول، فعلى من يردون؟! وإن قالوا: عصر دُوْنَ عصر، فباطل أيضاً، لأنَّهُ ما من عصر إلا وقَدْ وجد فيه خلاف، ولا سبيل إِلَى وجود مسألة متفق عَلَيْهَا بَيْنَ أهل عصر.
4- ونقول لَهُمْ: أهل المدينة الَّذِيْنَ جعلتم عملهم حجة رددتم بِهَا خبر المعصوم، اختلفوا فِيْمَا بَيْنَهُمْ أم لا؟ فإن قالوا: لا، فإن الموطأ يشهد بخلاف هَذَا. وإن قالوا: نعم، قُلْنَا: فما الَّذِي جعل اتباع بعضهم أولى من بَعْض.

كما رد عليهم بعجزهم عن تعريف المقصود بعمل أهل المدينة. إذ أن كثيراً من تلك المسائل التي زعموا عمل أهل المدينة عليها، فيها خلاف بين فقهاء المدينة. قال ابن حزم: «ذهب أصحاب مالك إلى أنه لا يجوز العمل بالخبر حتى يصحبه العمل». قال علي: «وهذا من أفسد قول وأشده سقوطاً. فأول ذلك: أن هذا العمل الذي يذكرون، قد سألهم من سَلَفَ من الحنفيين والشافعيين وأصحاب الحديث من أصحابنا منذ مئتي عام ونيف وأربعين عاماً: "عمل من هو هذا العمل الذي يذكرون؟". فما عرفوا عمل من يريدون! ولا عجبَ أعجبُ من جهل قومٍ بمعنى قولهم وشرح كلامهم».

أخرج الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (1|380 ط. ابن الجوزي) من طريق عبد الله بن إسحاق الجعفري قال: كان عبد الله بن الحسن يكثر الجلوس إلى ربيعة. قال: فتذاكروا يوماً السنن. فقال رجلٌ كان في المجلس: «ليس العمل على هذا»! فقال عبد الله: «أرأيت إنْ كثُرَ الجهال حتى يكونوا هم الحكام، أَفَهُم الحجة على السنة؟». قال ربيعة: «أشهد أنَّ هذا كلام أبناء الأنبياء».

وكان الإمام مالك يروي الحديث الصحيح ثم يقول: "ليس على هذا العمل"، دون توضيح السبب. ويبرر ذلك المالكية بأنه يعتقد أن الحديث منسوخ لتعارضه مع عمل أهل المدينة. مع إقرارهم في بعض الحالات بعدم وجود الناسخ. وهذا محال، فكيف يحفظ الله لنا الحديث المنسوخ، ولا يحفظ لنا الحديث الناسخ؟! قال العلامة ابن القيم في "إعلام الموقعين" (4|188): «وأقبح من ذلك عذره في جهله، إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السنة. وهذا سوء ظن بجماعة المسلمين، إذ ينسبهم إلى اتفاقهم على مخالفة سنة رسول الله r». وقال الإمام ابن حزم في الإحكام (4|549): «إجماع الناس على خلاف النص الوارد -من غير نسخ أو تخصيص له وَرَدا قبل موت رسول الله r- فهذا كفر مجرد».

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (33|94): «وقد نُقِلَ عن طائفة كعيسى بن أبان، وغيره من أهل الكلام و الرأي من: المعتزلة، وأصحاب أبي حنيفة، و مالك: "أن الإجماع ينسخ به نصوص الكتاب والسنة". وكنا نتأول كلام هؤلاء على أن مرادهم أن الإجماع يدل على نص ناسخ. فوجدنا من ذَكَر عنهم أنهم يجعلون الإجماع نفسه ناسخاً. فإن كانوا أرادوا ذلك، فهذا قول يجوز تبديل المسلمين دينهم بعد نبيهم كما تقول النصارى».

وكمثال على ما سبق نذكر مسألة المتبايعان بالخيار. فقد قال الإمام مالك في الموطأ: أخبرنا نافع، عن عبد اللّه بن عمر: أن رسول اللّه r قال: «المتبايعان كلُّ واحدٍ منهما بالخِيار على صاحبه ما لم يتفرَّقا، إلاَّ بيعَ الخيار». وهذا حديث صحيح ظاهر من نصه أن المقصود بالتفرق هو التفرق البدني. قال النووي: «وبه قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم». أما الإمام مالك فقد فهم التفرق بالبدني، لكنه رفض العمل بالحديث فقال بعد روايته: «ليس لهذا الحديث عندنا حدٌّ معروف، ولا أمر معمول به». وأما محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، فقد كان أحسن أدباً مع حديث النبي r، فقال بعد أن روى هذا الحديث عن مالك: «وبهذا نأخذ». لكنه أوّل الحديث بالتفرقة بالكلام، على خلاف ظاهر الحديث.

ويرد عليه ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: نا قتيبة بن سعيد عن الليث بن سعد حدثه عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله r قال: «إذا تبايع الرجُلان فكلَّ واحدٍ منهما بالخِيار ما لم يتفرّقا، وكانا جميعاً، أو يُخيّر أحدُهما الآخرَ. فإن خيّر أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع. وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وجب البيع».

قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: «ومعنى أو يخيّر أحدهما الآخر أن يقول له: اختر إمضاء البيع فإذا اختار وجب البيع أي: لزم وانبرم، فإن خيّر أحدهما الآخر فسكت لم ينقطع خيار السَّاكت». قال أبو محمد: «هذا الحديث يرفع كل إشكال، ويبيّن كل إجمال، ويبطل التأويلات المكذوبة التي شغب بها المخالفون». قال الخطابي: «هذا أوضح شيء في ثبوت خيار المجلس. وهو مبطلٌ لكل تأويل مخالف لظاهر الحديث. وكذلك قوله في آخره "وإن تفرقا بعد أن تبايعا"، فيه البيان الواضح أن التفرق بالبدن هو القاطع للخيار. ولو كان معناه التفرق بالقول، لخلا الحديث عن فائدة».

وقال بعض المالكيين المتعصبين: «دفعه مالك بإجماع أهل المدينة على ترك العمل به وذلك عنده أقوى من خبر الرجال»!! وزاد بعض من لم يتورع عن الكذب بأن هذا هو مذهب فقهاء المدينة السبعة وإجماعهم. ولا شك أن تلك الفرية لا تصح. إذ لم يُرْوَ عن أحد من وجه صحيح ترك العمل به نصّاً إلاَّ عن مالك. فأين النقل عن فقهاء المدينة حتى تزعموا إجماعهم؟

بل عمل بهذا الحديث راويه: عبد الله بن عمر t الذي أخذ أهل المدينة فقههم عنه. بل أخبر بأن هذا هو مذهب الصحابة وعملهم وأن هذه هي السنة. وقد نقل ابن حزم هذا عن عمر بن الخطاب، وعثمان، والعباس، وأُبَي، وأبو هريرة، وأبو برزة، وابن عمر، والصحابة جملة رضي الله عنهم. وكل هؤلاء مدنيون (إلا العباس t). فهذا إجماع صحيح من الصحابة ليس له مخالف من الصحابة ولا من التابعين. بل نقل ابن حزم العمل به عن سائر أهل الحديث، وأهل المدينة (قبل مالك). وممن قال به من كبار التابعين: سعيد بن المسيب، وهو أجل فقهاء المدينة السبعة وأفقههم. ثم من طبقة أواسط التابعين قال به الزهري، من أجل فقهاء المدينة. ثم قال به من طبقة مالك، فقيه المدينة ابن أبي ذئب. أفلا يستحي من يزعم الإجماع بخلاف هذا الحديث؟

بل حتى فقيه المالكية الحافظ ابن عبد البر، يقر بأن أول من رد الحديث هو مالك وأبو حنيفة. قال (كما في الفتح): أجمع العلماء على أنَّ هذا الحديث ثابت، وأنه من أثبت ما نَقَل العدول. وأكثرهم استعملوه وجعلوه أصلاً من أصول الدين في البيوع. وردَّه مالك وأبو حنيفة وأصحابهما. ولا أعلم أحداً ردَّه غير هؤلاء. وقال ابن حزم: «فشذ عن هذا كله أبو حنيفة، ومالك، ومن قلدهما،... وخالفوا السنن الثابتة، والصحابة، ولا يعرف لمن ذكرنا منهم مخالف أصلاً». قال: وما نعلم لهم من التابعين سلفا إلا إبراهيم وحده، ورواية مكذوبة عن شريح، والصحيح عنه القول به. ثم بين ابن حزم بطلان تأويلهم لمقولة إبراهيم النخعي، ثم قال: «فحصلوا بلا سلف».

ومع ذلك فقد رفعه أتباعه لمرتبة كبيرة جداً، وبالغوا في ذكر علمه ومعرفته. يذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء (8|76): عن ابن وهب سمعت مالكاً وقال له ابن القاسم: «ليس بعد أهل المدينة أحد أعلم بالبيوع من أهل مصر». فقال مالك: «من أين علموا ذلك؟». قال: «منك يا أبا عبد الله». فقال: «ما أعلَمُها أنا، فكيف يعلمونها بي؟!». فإذا كان الناس في عصره ينسبون له فتاوى ما قالها، فما بالك بعد موته؟

وكانت له فتاوى غريبة، أنكرها عليه عدد من العلماء. فقد أفتى بأن الحمل قد يستمر في بطن أمه ثلاث سنوات (وفي رواية أخرى سبع سنوات). فلو طلَّق الرجل امرأته أو مات عنها، فلم تنكح زوجاً آخر، ثم جاءت بولد بعد سبع سنين من الوفاة أو الطلاق، لحقه الولد، وانقضت العدة به! ولقد سخر منه بعض خصومه وزعموا أنه يشجع على الفساد نساء غير صالحات من المطلقات أو ممن يغيب أو يموت عنهن الأزواج. قال ابن حزم في المحلى (10|317): «واحتج مقلدوه بأن مالكاً ولد لثلاثة أعوام! وأن نساء بني العجلان ولدن لثلاثين شهراً... وقال مالك: "بلغني عن امرأة حملت سبع سنين". قال أبو محمد: وكل هذه أخبار مكذوبة راجعة إلى من لا يصدق، ولا يعرف من هو. ولا يجوز الحكم في دين الله تعالى بمثل هذا».

وهذا قولٌ شنيعٌ مخالفٌ للنقل والعقل معاً، ومخالف للثابت من العلم. فقد قال الله عز وجل (وهو أدرى بخلقه): {... وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا...} (15) سورة الأحقاف. طالما أن مجموع الحمل والفصال هو ثلاثين شهراً (سنتين ونصف) فمدة الحمل أقل من ذلك قطعاً. فمن ادعى مدة حمل أكثر من ذلك فقد رد كلام الله عز وجل، والعياذ بالله. وقد قال الله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ...} فبعد ذلك إن بقيت المرأة ترضع ولدها فليست تلك من الرضاعة الشرعية. ولا يشك عاقل أن الآية عامة تشمل كل الحالات. وما كان ربك نسياً. ومنها استنتج الفقهاء بأن أقصر مدة للحمل هي ستة أشهر لقوله تعالى {...وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ...} (14) سورة لقمان، ونقلوا الإجماع على ذلك. فكيف يصدق مالك نسوةً جاهلات في أن مدة الحمل لوحدها قد تجاوزت الثلاثين شهراً وبلغت سنين طويلة؟! مع أن الأولى أن يحمل قولهن على الحمل الكاذب، وهو معروفٌ لدى الأطباء ومشهور. والثابت القطعي في الطب الحديث استحالة ولادة طفل حي بعد العشرة أشهر، كحد أقصى (وهي حالة نادرة جداً). وكل حالات الحمل تقريباً لا تتجاوز التسعة أشهر. وقد نقل ابن حزم في المحلى (10|317) عن عمر بن الخطاب t ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وأبي سليمان وأصحابه القول بأن أكثر مدة الحمل تسعة أشهر. فلله در ابن حزم حين قال: «فمن ادعى حملاً وفصالاً في أكثر من ثلاثين شهراً، فقد قال بالباطل والمُحال، وردّ كلامَ اللهِ عزَّ وجلَّ جهاراً». وأما نحن فنصدق الله عز وجل ونكذب من قال غير ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ومنها أن الإمام مالك بن أنس أجاز ضرب المتهم بالسرقة للحصول على اعترافه، حماية للأموال. وتساءل الإمام الليث بما معناه: وماذا إذا ثبت أن المتهم بريء؟ إن حماية البريء أولى من عقاب المذنب. ولأن يفلت عشرة مذنبين خير من ظلم بريء واحد. ثم إن الضرب في ذاته عقوبة لا يقضى بها إلا بعد ثبوت الجريمة، وإلا فالضارب والآمر بالضرب ومن أفتى بجوازه كلهم مسؤولون. وقال مالك: «وهو الأمر عندنا بالمدينة: أن البُرَّ (الحنطة) والشعير جِنسٌ واحدٌ، لتقارب المنفعة». فقال ابن حزم: «القِطُّ أفقه من مالك! فإنه إذا رميت له لقمتان إحداهما شعير، فإنه يذهب عنها و يُقبِلُ على لقمة البُر».

ومما نقموا عليه كذلك فتواه بجواز اللواطة بالنساء (إتيان المرأة في دبرها)، وروي أنه كان يفعل ذلك بنفسه. إذ أخرج الخطيب في رواة مالك عن أبي سليمان الجوزجاني قال: سألت مالك بن أنس عن وطء الحلائل في الدبر، فقال لي: «الساعة غسلت رأسي منه». وقال ابن رشد في كتاب البيان والتحصيل في شرح العتبية: روى العتبي عن ابن القاسم، عن مالك أنه قال له –وقد سأله عن ذلك مخلياً به– فقال: «حلال، ليس به بأس». وروى أصبغ بن الفرج عن ابن القاسم عن مالك قال: «ما أدركت أحداً أقتدي به في ديني يشك فيه أنّه حلال –يعني وطء المرأة في دبرها– ثم قرأ {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم} قال: فأي شيء أبين من هذا؟ وما أشك فيه».

وجاء في كتاب "اختلاف الفقهاء" لابن جرير الطبري: «واختلفوا في إتيان النساء في أدبارهن... فقال مالك: لا بأس بأن يأتي الرجل امرأته في دبرها كما يأتيها من قبلها. حدثني بذلك يونس عن ابن وهب عنه (أي عن مالك)». وهذا إسناد صحيح لا مجال لإنكاره. وابن وهب فقيه ثبت من كبار أصحاب مالك. وهناك روايات أخرى تركتها لعدم الإطالة، وهي مشهورة. وفي أحكام القرآن للجصاص (2|40) قال: «المشهور عن مالك إباحة ذلك (إتيان المرأة في دبرها) وأصحابه ينفون عنه هذه المسألة لقبحها وشناعتها. وهي عنه أشهر من أن يندفع بنفيهم عنه». وروى المالكية خبراً يفيد رجوع الإمام مالك عن الإباحة، لكن الخبر مروي من طريق إسماعيل بن حصن، وهو واهي الحديث.

وقد انسحب هذا على عدد من المالكية الذين أباحوا نكاح المرأة في دبرها. قال القاضي عياض: كان القاضي أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي (ت 392هـ) يجيزه ويذهب فيه إلى أنه غير محرم. وصنف في إباحته محمد بن سحنون (ت259هـ)، ومحمد بن شعبان (ت355هـ)، ونقلا ذلك عن جمع كثير من التابعين. وفي كلام ابن العربي (543هـ) والمازري (ت526هـ) ما يومئ إلى جواز ذلك أيضاً. وحكى ابن بزيزة في تفسيره، عن عيسى بن دينار (ت212، وهو من مفاخر مالكية الأندلس!) أنه كان يقول: «هو أحل من الماء البارد».

قال أبو بكر بن العربي في "أحكام القرآن" في تفسير قوله تعالى {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ}:«اختَلَفَ العلماءُ في جَوازِ نِكاحِ المرأة في دُبُرِها. فجوَّزهُ طائفةٌ كثيرةٌ. وقد جَمع ذلك ابنُ شعبانَ في كتاب "جِمَاعُ النِّسْوَانِ وأحكامُ القرآن"، وَأَسْنَدَ جوازَهُ إلى زُمْرَةٍ كريمةٍ من الصحابة (!) والتابعين، وإلى مالكٍ من رواياتٍ كثيرةٍ». وقال في "سراج المريدين": «والمسألة مشهورة. صنّف فيها محمد بن سحنون جزءاً، وصنف فيها ابن شعبان كتاباً، وبيّن أن حديث ابن عمر في إتيان المرأة في دبرها». وقد اشتهر مالك بهذا حتى قيلت به الأشعار. فذكر الراغب الأصفهاني في "محاضرات الأدباء" (2|268) قصة همام القاضي الذي وطأ امرأة في دبرها على مذهب الإمام مالك، فنظم هذه الأبيات:

ومَذعورةٍ جاءتْ على غيرِ موعدٍ * تقنَّصْتُها والنَّجمُ قد كادَ يطلعُ
فقلتُ لها لما استمرَّ حديثُها * ونفسي إلى أشياءَ منها تَطَلَّعُ
أَبِيْني لنا: هل تُؤمِنين بـمالكٍ؟ * فإني بِحُبِّ المالكيَّةِ مُولَعُ
فقالتْ: نَعَمْ إني أدينُ بدينِهِ * ومذهبُه عَدلٌ لديَّ ومُقْنِعُ
فبِتْنا إلى الإصباحِ ندعو لمالكٍ * ونُؤْثرُ فتياهُ احتساباً ونتبعُ

وقبيل وفاته كان مالك كثير الندم، وكان يبكي لأنه كان يفتي برأيه. وقال –رحمه الله– لصاحبه في مرض موته: «يا ابن قعنب، ومالي لا أبكي؟ ومن أحق بالبكاء مني؟ والله لوددت أني ضُرِبتُ في كل مسألة أفتيت بها برأيي سُوطاً سوطاً. وقد كانت لي السَّعةُ فيما قد سَبقتُ إليه. وليتني لم أُفتِ بالرأي». انظر: وفيات الأعيان (4|137)، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (6|224)، وجامع بيان العلم وفضله (2|1072).

الخلاف بين المالكية ومالك

بعد موت مالك أسس تلامذته مذهبه وأصبح لمالك مذهب دون أن يدري أنه سيخلد كصاحب مذهب. ففي الوقت الذي مات فيه مالك نادماً على الفتاوى التي أفتاها، جُمعت تلك الفتاوى وفق مذهب سُمي باسمه على يد تلامذته (خاصة من الأفارقة والأندلسيين). وكما أجرى تلامذة أبو حنيفة تعديلات على مذهبه، فعل كذلك تلامذة مالك تعديلات على مذهبه، أمثال أسد بن الفرات وعبد الملك بن حبيب ومحمد بن إبراهيم بن زياد الإسكندري (انظر مقدمة ابن خلدون ص285، ط دار الهلال). وقد أضافوا له الكثير من الأقوال والمعتقدات الفاسدة التي حاربها ونص على خلافها. فزعموا أنه يجيز شد الرحال لزيارة القبر النبوي، مع أنه نص على خلاف ذلك. ونسبوا له تجويز التوسل بالأموات، وهو كذب عليه. ونقلوا أنه قال: «من تفقه ولم يتصوف فقد تزندق!!»، ولم يكن قد عُرِفَ مصطلح التصوف في المدينة في زمنه. لكن نسبة الأقوال الخاطئة له بدأ في مرحلة مبكرة جداً. قال الإمام أحمد في رواية المروذي: «كان مالك يُسأل عن الشيء، فيقدم، ويؤخر يبهت. وهؤلاء يقيسون على قوله ويقولون: "قال مالك"».

والأمثلة على ذلك كثيرة. فمثلاً: يقول ابن عبد البر (على سبيل المثال) في الاستذكار (ج5 #7389): «وذكر أبو مصعب في مختصره عن مالك قال: لا يؤم الناس أحد قاعداً، فإن أمّهم قاعداً فسدت صلاته وصلاتهم». ورد هذا الكلام حرفاً حرفاً في المختصر (مخطوط القرويين، ص31، تاريخ النسخ 359هـ) بدون ذكر مالك بن أنس. أما القاضي عياض فهو يعتبر هذا المختصر "أقاويل مالك بن أنس". مع أن مالكَ لا ذكر له في الكتاب إلا أربع أو خمس مرات على مضى 348 صفحة!

روى سحنون عن ابن القاسم في كتاب الغصب من "المدونة" (14|75 مطبعة السعادة بالقاهرة 1323) المسألة التالية: «قلت: أرأيت مسلماً غصب نصرانياً خمراً؟ قال: عليه قيمتها في قول مالك. قلت: ومن يقوّمها؟ قال: يقوّمها أهل دينهم». وروى ابن أبي زيد القيرواني في "النوادر والزيادات" (10|356): «قال مالك –في مسلم غصب خمراً لنصراني–: فعليه قيمتها يقوّمها من يعرف القيمة من المسلمين. قال سحنون في كتاب ابنه: حديث عهد بالإسلام. وقال ابن المواز: لا تخفى قيمتها على المسلمين. وقال ابن الماجشون: لا شيء عليه لأنه لا قيمة للخمر ولا للميتة. وقاله أحمد بن المعذل».

قال القاضي عياض في "التنبيهات المستنبطة" (مخطوط في مكتبة القرويين بفاس #574، وكذا في نسخة أسبانيا بالأسكوريال ص 117ب): «وقوله في تقويم الخمر: "يقوّمها أهل دينهم"، كذا روايتنا وكذا عند ابن عتاب وهي رواية ابن باز. وحوق عليه ابن المرابط (ت 492) وقال: ضرب عليه عند يحيى (بن عمر الكناني، تلميذ سحنون بالقيروان)، وكذلك في أصل الأسدية. وفي نسخ: "يقومها من يعرف القيمة من المسلمين"، وكذا في كتاب ابن سهل (القبرباني، ت 282، أحد رواة كتب سحنون بالقيروان) من رواية الدباغ (علي بن محمد بن مسرور، ت359، أحد رواة المدونة والموطأ بالقيروان، أخذ عته القابسي كتبه) في حاشية ابن المرابط، وعليه اختصر أكثر المختصرين. قال فضل: وهي روايتنا عند عبد الرحيم. وقد اختلف فيه قول ابن القاسم. قال أحمد بن خالد: كذلك أصلحت وكانت في الأسدية خطأ. والقولان معروفان، وفيها أقوال أخر كلها ترجع إلى معنى واحد، إلا ما هاهنا».

وفي المكتبة العتيقة بالقيروان نجد نسخة لكتاب الغصب نسخت من نسخة القبرياني، وهي عبارة عن جزء من المختلطة لسحنون. جاء في نصها: «قال: يقومها من يعرف القيمة من المسلمين». والجدير بالذكر أن المسألة كلها وضعت في هذه النسخة بين قوسين، فكتب على الهامش: «قال يحيى: حطّه سحنون ولم يقرأه لنا». وهذا ما أشار إليه القاضي عياض في التنبيهات "ضرب عليه عند يحيى". أما سحنون فانه لم يقرأ هذه المسألة في حلقته كما جاء في الأسدية، بل ضرب عليه في حلقته (حطّه سحنون).

وفي نسخة أخرى من كتاب الغصب نجد على الهامش: «قيل: ومن يقومها؟ قال:يقومها أهل دينهم». وبعد ذلك يأتي قول سحنون على الهامش أيضاً (سقطت بعض الكلمات في المخطوط): «قال سحنون: لا أراها قول ابن القاسم أن قول النصراني يقبل في تقويم الخمر. ألا ترى أنه لا يقبل من على دين الإسلام في حال السحت له؟ والذي على غير الإسلام أبعد من أن يقبل قوله أصلا في شيء. وهذا مما لا (...) علمه عن (...) يستغنى فيه عن النصراني. وان كنت أعرف من أصحابناً من لا يرى فيها قيمة أصلاً، وهو (...). كلام سحنون هذا في داخل الأم عند د. (طمس)». عند د: معناه: نسخة الصدفي، عمر بن عبد الله المعلم (ت 347 أو 350).

فحسب ما جاء في آخر الحاشية كان قول سحنون هذا في المدونة نصا (داخل الأم) بعد ما صحح المسألة كما وردت في الأسدية انطلاقاً من: يقوّمها أهل دينهم. وهو ما اعتبره أحمد بن خالد القرطبي خطأ في الكتاب. وهو ما لم يقرأه سحنون في حلقته، بل رفض القول الأول كما يتبين ذلك على الهامش في هذه النسخة. الأسدية تنص على كذا وأن سحنون يرفض. غير أنه لا يرفض بالمرة، بل هناك نسخ مختلفة تروي ما في الأسدية، حتى يأتي سحنون في حلقته و(يضرب عليه) أو حوق عليه ويقول رأيه على الحاشية، الذي يصبح نصا للمدونة. فسحنون هو الذي قام بتغيير النص في كتبه، وتلاميذه سجلوا ذلك تسجيلا عبر القرنين بعده.

في تهذيب المدونة لأبي سعيد البراذعي القيرواني (4|99): «ومن غصب لذمي خمراً فأتلفها، فعليه قيمتها. يقومها من يعرف القيمة من المسلمين». وهذا الكتاب يقول عنه ابن خلدون (ص563): «اعتمده المشيخة من أهل إفريقيا، وأخذوا به، وتركوا ما سواه». وكلمة "فأتلفها" لم يكن موضوع المسألة لا عند ابن القاسم ولا في الأسدية. هذا هو آخر المطاف في تطور النص بدءاً من الأسدية، إلى نسخ المدونة والمختلطة، ومن هناك إلى البرادعي.

قال شيخ الإسلام في مجموع فتاواه: «ومعلومٌ أن مدوّنة ابن القاسم، أصلها مسائل أسد بن الفرات التي فرعها أهل العراق. ثم سأل عنها أسد ابن القاسم، فأجابه بالنقل عن مالك، وتارة بالقياس على قوله. ثم أصَّلَها في رواية سحنون. فلهذا يقع في كلام ابن القاسم طائفة من الميل إلى أقوال أهل العراق، وإن لم يكن ذلك من أصول أهل المدينة. ثم اتفق أنه لما انتشر مذهب مالك بالأندلس، وكان يحيى بن يحيى عامل الأندلس والولاة يستشيرونه، فكانوا يأمرون القضاة أن لا يقضوا إلا بروايته عن مالك، ثم رواية غيره. فانتشرت رواية ابن القاسم عن مالك لأجل من عمل بها. وقد تكون مرجوحة في المذهب وعمل أهل المدينة والسنة، حتى صاروا يتركون رواية الموطأ –الذي هو متواتر عن مالك وما زال يحدث به إلى أن مات– لرواية ابن القاسم».

قال البرذعي في "سؤالاته" (2|533): وذكرت لأبي زرعة (الرازي) مسائل عبد الرحمن بن القاسم عن مالك، فقال: «عنده ثلاثمئة جلدة أو نحوه عن مالك مسائل أسدية». قلت: «وما الأسدية»؟ فقال: «كان رجل من أهل المغرب يقال له أسد، رحل إلى محمد بن الحسن (صاحب أبي حنيفة) فسأله عن هذه المسائل. ثم قدم مصر، فأتى عبد الله بن وهب فسأله أن يسأله عن تلك المسائل: مما كان عنده فيها عن مالك أجابه، وما لم يكن عنده عن مالك قاس على قول مالك. فأتى عبد الرحمن بن القاسم، فتوسع له، فأجابه على هذا. فالناس يتكلمون في هذه المسائل». فما اكتفى المالكية بجمع آراء إمامهم التي ندم عليها، بل نسبوا إليه آراء أخرى ما قالها. وقاموا بتقديم المدوّنة على نصوص الإمام مالك في الموطأ!! ثم تم تدوين كتب أصول مذهب المالكية في العراق، من قبل المتكلمين. مما زاد في الهوة بين مذهب المالكية المتأخرين، وبين مذهب أهل المدينة الأوائل. والله يبدل الليل النهار، وهو على كل شيء قدير.

وقد اختلف المالكية عن ابن القاسم أيضاً! فنقل عنه عبد الملك بن حبيب القرطبي (ت238هـ) كتاب "الواضحة"، ثم دوّن محمد العتبي القرطبي (ت254هـ) من تلامذته كتاب "المستخرجة العتبية". ورحل من إفريقية أسد بن الفرات (145-204هـ) فكتب عن أصحاب أبي حنيفة أولاً، ثم انتقل إلى مذهب مالك، وكتب على ابن القاسم المصري في سائر أبواب الفقه. وقد حدث خلط بين المذهبين كما سبق بيانه. وجاء إلى القيروان بكتابه "الأسدية". فأخذ هذا الكتاب القاضي سحنون، وعارض مسائله على ابن القاسم، فتغيرت عدة أجوبة. وهذا شيء متوقع إن كان الجواب معتمداً على الرأي. فكتب سحنون كتاب "المدونة"، وقد اختلطت فيها الكثير من المسائل، فسماها الناس "المختلطة". وعكف أهل الأندلس على "الواضحة" و"العتبية"، ثم هجروا "الواضحة". أما أهل القيروان فاعتمدوا على "المدونة المختلطة"، واعتنوا بها أشد من عنايتهم بالقرآن.

يقول الباحث نذير حمدان في "الموطآت": «إن المتتبع للبحوث والموضوعات المتنوعة في "المدوَّنة" يفاجأ بقلة الرصيد القرآني استدلالاً على أبواب المؤلِّف الكبير وفصوله وأحكامه، حتى إنّ ألصق الموضوعات بالقرآن تحريماً وتحليلاً واستشهاداً لا تجد فيها نصاً قرآنياً بالدلالة أو بالإشارة أو بالمفهوم المخالف. خذ لذلك عناوين الموضوعات...». ثم سرد عناوين كثيرة، ثم قال: «وهي موضوعات قرآنية قبل كل شيء». ولم يتعد الأمر لقلة الاستدلال بالقرآن، بل وصل إلى قلة الاستدلال بالحديث كذلك. يقول د. قطب الريسوني: «لا أعرف لمتقدمي المالكية أو متأخريهم كتاباً مخطوطاً أو مطبوعاً، في تخريج أحاديث فقه المذهب».

فلا يجد القارئ لكتبهم والناظر فيها إلا آراء مجردة وأقوالا متناقضة، يشعر المالكية أنفسهم بتناقضها. ولقد بلغ من إعراضهم عن الدليل أنهم يضعفون أقوال أئمة المذهب المعروفين بالميل إليه والعمل بما يقتضيه، كابن عبد البر والباجي وابن العربي. فأقوال هؤلاء و أمثالهم لا تذكر في كتب المتأخرين إلا مشفوعة بالتضعيف غالباً، لا لشيء إلا لأن أصحابها يتبعون الدليل. بل بلغ المتأخرون في الغلو إلى حد أن بعض شراح تحفة ابن عاصم قال أثناء كلامه على مسألة ما نصه: "خلافاً لما في الحديث". فيا لله ويا للمسلمين، إذا خولف الحديث بهذه الصراحة، فيعتبر وفاق من؟! وهذا النقص الشديد جعل بعض المعاصرين (من مالكية وغيرهم) يحاولون إخفاء هذا النقص دفعاً لتعيير مخالفي المالكية. فذكروا في كتبهم بعض الأدلة على استحياء، وكثير من المسائل لم يجدوا عليها أدلة سوى أقوال مالك! ولعل أوسع تلك الكتب هو "مواهب الجليل من أدلة خليل" لأحمد المختار الجكني الشنقيطي. وقد أعوزه الاستدلال على كل الفروع بالمنقولات، فلجأ إلى النظر وروايات المذهب المالكي نفسه. وهناك كتاب للغماري مختصر جداً، ولكنه لم يأت على كل مسائل الفقه تفصيلاً، بل كأنه يتحرى بعض مسائل الخلاف.

فأمهات الكتب عند المالكية لا تعتمد على القرآن ولا على السنة، وإنما على رأي مالك وعلى التفريع عليه. قال نذير حمدان في كتابه "الموطآت" (ص186) عن أمهات الكتب المالكية (المدونة والواضحة والعتبية والمَوّازية): «في هذه المصنّفات الإقلال من الاستدلال بالنص، وبخاصة المرويات سنداً ومتناً، والاكتفاء بقول مالك نفسه». ثم يقول: «نقل مسائل مالك فيها: بالنص أو بالمعنى، ثم التفريع على قوله والقياس عليه في الاستدلال».

فهل كان المالكيةُ دقيقين في نقلهم لآراء إمامهم؟ أما رواية يحيى للموطأ، ورواية سحنون للمدونة المختلطة، فقط سبق الحديث عن الأخطاء التي وقعت فيهما. وأما عبد الملك بن حبيب القرطبي (صاحب يحيى الليثي) فهو مختلف في عدالته. كان ابن حزم يقول: «ليس بثقة». ويقول: «روايته ساقطة مطرحة». وقال الحافظ أبو بكر بن سيد الناس: «وبعضهم اتهمه بالكذب». وعليه بالأساس اعتمد تلميذه محمد العتبي في كتابه "المستخرجة العَتْبية". قال فيها ابن حزم (كما في بستان المحدثين ص12): «لها عند أهل العلم بإفريقيا القدر العالي والطيران الحثيث». فهذه مكانتها في إفريقيا في ذلك الوقت، فما بالك بمكانتها بالأندلس وقد اعتبرت هناك المصدر الرئيسي للمذهب المالكي؟ ومع ذلك يقول عنها محمد بن عبد الحكم: «رأيت جلّها مكذوباً ومسائل لا أصول لها، ولما قد أسقط وطرح، وشواذ من مسائل المجالس لم يوقف عليها أصحابها». انظر "ترتيب المدارك" (3|145)، و "الديباج المذهب" (2|177). وقال ابن الفرضي عن العتبي: «جمع المستخرجة، وأكثر فيها من الروايات المطروحة، والمسائل الشاذة». وقال ابن وضاح: «وفي "المستخرجة" خطأ كثير». وتعقب صاحب "نفح الطيب" (2|215) ذلك فقال: «كذا قال، ولكن الكتاب وقع عليه الاعتماد من أعلام المالكية كابن رشد وغيره». أقول: كون هذا الكتاب هو عمدة مالكية الأندلس وبعض مالكية إفريقيا لا يعني صحته بالضرورة.

واستمر تطور المذهب المالكي. فأخذ مالكية القيروان "المدونة المختلطة" فاختصروها. ثم جاء آخر فاختصر الاختصار. وهكذا حتى وصل الأمر إلى سبعة مراحل من الاختصار. وصار ذلك مخلا بالبلاغة وعسرا على الفهم، لما فيه من حشو القليل من الألفاظ، بالمعاني الكثيرة، مع حذف الأدلة على ندرتها. فما الجديد الذي جاء للأمة؟! وما الفائدة المرجوة من هذا الهدر؟ إلى أن تم تلخيص الفقه المالكي في كتيّب صغير اسمه مختصر خليل (ت767هـ). ولغة هذا المختصر معقدة غامضة صعبة الفهم. يقول قاضي المالكية ابن خلدون منتقداً هذا الاختصار المخل: «وهو فساد في التعليم. وفيه إخلال بالتحصيل، وذلك لأن فيه تخليطاً على المبتدئ بإلقاء الغايات من العلم عليه وهو لم يستعد لقبولها بعد. وهو من سوء التعليم كما سيأتي. ثم فيه مع ذلك شغل كبير على المتعلم بتتبع ألفاظ الاختصار العويصة للفهم بتزاحم المعاني عليها وصعوبة استخراج المسائل من بينها. لأن ألفاظ المختصرات تجدها لأجل ذلك صعبة عويصة. فينقطع في فهمها حظ صالح عن الوقت. ثم بعد ذلك فالملكة الحاصلة من التعليم في تلك المختصرات –إذا تم على سداده ولم تعقبه آفة– فهي ملكة قاصرة عن الملكات التي تحصل من الموضوعات البسيطة المطولة».

فقام المالكية بشرح مختصر خليل. ثم قام مالكي آخر فوضع تعليقاته على شرح مختصر خليل. ثم جاء آخر فوضع حاشية على التعليقات على شرح مختصر خليل. حتى وصلت الحواشي على الكتاب الواحد إلى سبعة حواشي! ما الجديد؟ جمود واجترار فكري وإضاعة للوقت والعمر. وأنت إذا نظرت في كتب المالكية المتأخرين، تعجّبتَ من قلة ذكرهم للأحاديث وأقوال الصحابة، مما جعل هذه الكتب جافة جامدة. ومن أشهر الكتب المعتمدة للفتوى عند المالكية اليوم هو شرح الزرقاني (لمختصر خليل) بحاشية الرهوني، وإن كان شرح الدردير بحاشية الدسوقي يستعمل أكثر للتدريس. قال الحجوي الثعالبي الفاسي: «المدونة فيها ثلاثة أسفار ضخام مفهومة بنفسها، لا تحتاج إلى شرح في الغالب. لكن خليل لا يمكننا أن نفهَمُه ونثِق بما فهِمناه منه، إلا بستة أسفار للخرشي وثمانية لزرقاني وثمانية للرهوني»! وهذا كلام يكتب بالذهب. فلو بذل طالب العلم المالكي جهده لإتقان المدونة (وهي الأصل الفقهي لعامة كتبهم) ذات الإسلوب السهل الفصيح، لكان أسهل له بكثير وأعظم فائدة من محاولة فك ألغاز المختصرات الغامضة عن طريق الحواشي الضخمة ذات اللغة الصعبة (الركيكة أحياناً).

وذلك ذكر العلامة ابن خلدون في المقدمة (ص330 ط. دار الهلال) فصلاً في أن كثرة التآليف في العلوم عائقة عن التحصيل. قال فيه: «ويمثل ذلك من شأن الفقه في المذهب المالكي بالكتب المدونة مثلا، وما كتب عليها من الشروحات الفقهية مثل كتاب ابن يونس واللخمي وابن بشير والتنبيهات والمقدمات والبيان والتحصيل على العتبية وكذلك كتاب ابن الحاجب وما كتب عليه. ثم إنه يحتاج إلى تمييز الطريقة القيروانية من القرطبية والبغدادية والمصرية وطرق المتأخرين عنهم والإحاطة بذلك كله. وحينئذ يسلم له منصب الفتيا. وهي كلها متكررة، والمعنى واحد! والمتعلم مطالب باستحضار جميعها وتمييز ما بينها. والعمر ينقضي في واحد منها. ولو اقتصر المعلمون بالمتعلمين على المسائل المذهبية فقط، لكان الأمر دون ذلك بكثير، وكان التعليم سهلاً».

ومن هنا ابتعد المالكية كثيراً عن مذهب مالك، وصاروا اليوم أتباع شُرّاح مختصر خليل. قال الإمام ابن معمر في الدرر السنية (4|57): «متأخروا المالكية هم في الحقيقة أتباع خليل. فلا يعبئون بما خالف مختصر خليل شيئاً. ولو وجدوا حديثاً ثابتاً في الصحيحين، لم يعملوا به إذا خالف المذهب... وكل أهل مذهب اعتمدوا على كتب متأخريهم لا يرجعون إلا إليها، ولا يعتمدون إلا عليها. وأما كتب الحديث كالأمهات الست وغيرها من كتب الحديث وشروحها وكتب الفقه الكبار التي يذكر فيها خلاف الأئمة وأقوال الصحابة والتابعين، فهي عندهم مهجورة، بل هي في الخزانة مسطورة، للتبرك بها لا للعمل». وهذا حق يقر به الكثير من المالكية اليوم. قال الشمس اللقاني: «نحن خليليون، إن ضلّ خليل ضللنا». ويعقب أحمد بابا التبكتي على ذلك فيقول: «وذلك دليل دروس الفقه وذهابه، فقد صار الناس من مصر إلى المحيط خليليون، لا مالكية». وتم تقسيم مختصر خليل إلى أربعين ''حزبا''، وكان المغاربة إلى عهد قريب يسردون هذه الأحزاب في المساجد والزوايا كما يسرد القرآن. وقال العمري في "إيقاظ الهمم" (ص26) عن المالكية في زمانه: «جعلوا دينهم الحمية والعصبية، وانحصروا على طوائف. فطائفة منهم: خليليون ادعوا أن جميع ما أنزل على محمد r محصور في مختصر خليل!! (فأنزلوه) منزلة كتاب الله العزيز الجليل». ولكن الله يهدي من يشاء.

 

فوائد عن منهج مالك في الفقه والحديث والإيمان

وكان مالك الإمام الأعظم في تمييز البدعة عن السنة. يقول الإمام مالك -رحمه الله-: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمداً r خان الرسالة. لأن الله تعالى يقول: {اليوم أكملت لكم دينكم}. فما لم يكن يومئذ ديناً، فلن يكون اليوم دينا». وانظر قوله في الزيارة. ومالك أثري، من أكثر الأئمة نبذاً للمُحدثات من الأمور. وكلامه في البدع العملية، أكثر من كلام غيره من الأئمة. كما أن كلام الإمام أحمد في البدع الاعتقادية، أكثر من كلام غيره. فمالك له نظرة دقيقة ومذهب أثري، قلّما تجده عند غيره. وهذا شيء مختلف عن مسألة توسعه بالرأي في الفتوى.

وقال كذلك: «لو أن العبد ارتكب الكبائر كلها دون الإشراك بالله شيئاً، ثم نجا من هذه الأهواء، لرجوت أن يكون في أعلى الفردوس. لأن كل كبيرة بين العبد وربه هو منها على رجاء، ولكل هوى ليس هو على رجاء إنما يهوي بصاحبه في نار جهنم». فرحم الله الإمام مالك رحمة واسعة، ورضي عنه، فقد كان سيفاً مسلطاً على المبتدعة.