حكم الصور والتماثيل

الحمد لله. هناك مسألة أصولية خلافية قديمة، منذ زمن الصحابة. ألا وهي:‏ هل نطبق حرفية النص أم روح النص؟ بمعنى هل علينا أن نطبق النص بحرفيته وعلى ظاهره، أم نحاول أن نفهم روحه والمراد منه؟ اختلف الصحابة في هذا. ولا يخفى عليك حديث صلاة العصر في بني قريظة. بعض الصحابة رضوان الله عليهم فهموه على ظاهره، ‏وبعضهم فهم العلة المقصودة منه. وأقر الرسول (r) الطرفين.‏

والمسألة مشابهة هنا لورود نصوص في تحطيم التماثيل وطمس الصور. فمن فهم النصوص حرفياً لزمه تحطيم كل تمثال وطمس كل ‏صورة. وقال أغلب هؤلاء بجواز الصور الشمسية لأنها مجرد حبس ظل. ومن حرم هذه فإنه تناقض لأنه جمع بين المذهبين.‏ والمذهب الثاني هو أن سبب تحريم الصور والتماثيل كي لا تصبح ذريعة للشرك أو للتبرك. ولا يشترط لمنع التّماثيل أن تكون معبودة فعلاً، بل إنّ مجرّد تعظيم التّمثال يكفي للتّحريم سدّاً لذريعة الانتقال من التّعظيم إلى العبادة. ولذلك كثير من العلماء يرون جواز وضع ‏الصور في موضع مهان. فيجوز رسم الصور على السجاد الذي يداس بالأقدام، لأن هذا لا يقدّس. ويجوز كذلك وضع تماثيل بدون ‏رأس، لأنها تبدو ناقصة. ويجوز وضع صور في غير موضع ظاهر. فلا يجوز تعليق الصورة (شمسية أم رسمية) على الحائط، لكن يجوز وضعها بين صفحات ‏الكتاب إن أمنوا بأن لا تقدس هذه الصورة (كأن تكون صورة شيخ أو ولي). وأجاز الجمهور صور غير ذي روح (نباتات وطبيعة).‏ بل هناك من أجاز صنع التماثيل والصور إن أمن عدم التقديس. وكان القرافي (من الأصوليين المالكية في القرن السابع الهجري) يصنع التماثيل بنفسه، كما ذكر في كتابه "شرح المحصور".

وقد ورد في كتاب الله ذكر نوعين من التّماثيل: الأوّل: تماثيل تعبد من دون الله، وهذه تسمّى تماثيل وتسمّى أصناماً وتسمّى أنصاباً. ومن البديهي أن نقول: أنّ مثل هذه التّماثيل يحرم على المسلم صنعها أو بيعها لأن فيه إعانة على الشرك. الثّاني: تماثيل لا تعبد من دون الله، وهي بالتّالي ليست أصناماً ولا أنصاباً. وقد جعل القرآن الكريم عمل التماثيل: نعمة من نعم الله على نبيه سليمان عليه السلام: {ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير* يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجِفانٍ كالجَوابِ وقُدورٍ راسيات اعملوا آل داودَ شكرًا وقليلٌ من عبادي الشكور} (سبأ:12-13). وهنا يسميها الله بالتماثيل وليس بالأصنام، لأنها لا تُعبد من دون الله. وهذا أمر يدخل في باب التوحيد والإيمان، وهو أمر مشترك بين الأنبياء كلهم. ولا خلاف بين العلماء أنّ ما يتعلّق بالعقائد لم يتغيّر، وهو واحد عند جميع الأنبياء لقوله تعالى: {شرع لكم من الدّين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك، وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى، أن أقيموا الدّين ولا تفرّقوا فيه...} (الشّورى:13).

وردت أحاديث صحيحة كثيرة وكلّها تؤكّد : أنّ المصوّرين في النّار- وأنّهم أشدّ النّاس عذاباً عند الله . وعلّة ذلك حسب نصّ الأحاديث: أنّهم يضاهون بخلق الله. والمضاهاة هي المشاكلة، أي أنّهم يخلقون تماثيل على شاكلة خلق الله، ولذلك يقال لهم يوم القيامة: أحيوا ما خلقتم. قال النّووي في شرح مسلم (14|82): «وأجمعوا على منع ما كان له ظلّ ووجوب تغييره». لكن ابن حجر استدرك في الفتح (10|388): «إن هذا الإجماع محلّه غير لعب الأطفال». وثبت أنّ رسول الله (r) استعمل وسائد ومرافق فيها صور، ولكنّه كان ينقض التّصاليب ويزيلها. كما ثبت عنه إباحة لعب الأطفال- وهي تماثيل صغيرة- كما روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. وقد نقل القاضي عيّاض عن جمهور الفقهاء أنّهم أجازوا بيع هذه اللعب لتدريب البنات على إدارة شؤون الأطفال، وهذا من الأغراض المعتبرة شرعاً. ونقله للجواز صحيح لكن تعليله خطأ، فقد تحدّثت عائشة عن (فرس له جناحان)، فما علاقة هذه اللعبة بتربية الأولاد؟ فالصحيح أن ألعاب الأطفال جائزة للذكور والإناث بغير كراهة، لأنها بعيدة عن مظنة التعظيم. وكان أحد مشايخنا يقول: إن عقول الأطفال أكبر من عقول كثير من الكبار، ذلك أنك لا تجد أبداً طفلاً يعبد الدمية التي يلعب بها.

أما إذا كانت التّماثيل المصنوعة مضاهاة لخلق الله، أو تشبّهاً بخلق الله، فذلك يجعلها حراماً وتعتبر من الكبائر وفق الأحاديث الصّحيحة الواردة. لكنّ التّشبّه بخلق الله ومضاهاته يمكن أن يكون في صنع تماثيل ما لا روح له كالشّمس والقمر والجبال والشّجر، وفي صنع لعب البنات وغير ذلك ممّا ورد النّص بإباحته صراحة، ولذلك قال بعض العلماء أنّ المقصود هنا من يصنع التّمثال أو يرسم الصّورة تحدّياً لقدرة الله، ومن يعتقد أنّه قادر على أن يخلق كخلق الله، فيريه الله تعالى عجزه يوم القيامة بأن يكلّفه أن ينفخ الرّوح في تلك الصّورة. وتأييداً لهذا القول فسّر ابن حجر – في فتح الباري- قول الله عزّ وجلّ في حديثه القدسيّ "ومن أظلم ممّن ذهب يخلق خلقاً كخلقي" فسّر ذهب بمعنى قصد. وعلى هذا القول فإنّ الحرام هنا يتعلّق بنيّة الصّانع ولو كان المصنوع تمثالاً لجماد أو رسماً يدويّاً لأيّة صورة. وورد في الموسوعة الفقهيّة (باب تصوير) ما يلي: «يذهب جمهور العلماء إلى أنّه لا يلزم من تحريم الصّور تحريم اقتنائها أو تحريم استعمالها. فإنّ عمليّة التّصوير لذات الأرواح ورد فيها لعن المصوّر وأنّه يعذّب في النّار وأنّه من أشدّ النّاس عذاباً، ولم يرد شيء من ذلك في اقتناء الصّور، ولم تتحقّق في مستعملها علّة تحريم الصّور من المضاهاة لخلق الله تعالى. ومع ذلك فقد ورد ما يدلّ على منع اقتناء الصّور أو استعمالها، إلاّ أنّ الأحاديث الواردة في ذلك ليس فيها ذكر عذاب، أو أي قرينة تدلّ على أنّ اقتنائها من الكبائر. وبهذا يكون حكم مقتني الصّورة التي يحرم اقتناؤها: أنّه قد فعل صغيرة من الصّغائر... وقد نبّه إلى الفرق بين التّصوير وبين اقتناء الصّور في الحكم: النّووي... وعليه يجري أكثر كلام الفقهاء». أما الأحاديث التي فيها أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة أو كلب، فالراجح أن المقصود هي ملائكة الوحي، لا غيرها. ولذلك جعل ابن حبان هذا خاصاً بالنبي (r). وإلا فالملكين الموكلين بالمرء يدخلون مثل هذه البيوت. والله أعلم.

وقد أجاز جمهور الفقهاء استعمال التّماثيل والصّور في البيوت إذا لم تكن منصوبة معظّمة على السّتائر والحيطان، وكانت ممتهنة أو معرّضة لوطء الأقدام أو غير ذلك. قال عكرمة: «كانوا يكرهون ما نُصِبَ من التماثيل نصباً، ولا يرون بأسا بما وطئته الأقدام». وعكرمة ينقل هنا عن الصحابة. وقال محمد بن سيرين: «كانوا لا يرون ما وُطِئَ وبُسِطَ من التصاوير مثل الذي نُصِبَ». وقال ابن عبد البر في التمهيد (21|199): «هذا أعدل المذاهب وأوسطها في هذا الباب وعليه أكثر العلماء. ومن مل عليه الآثار لم تتعارض على هذا التأويل. وهو أولى ما اعتقد فيه والله الموفق للصواب».

ويبدو أن جواز ترك الصور والتماثيل التي لا تُعَظّم هو مذهب جمهور الصحابة، بل إجماعهم. حيث أنهم لم يحطموا التماثيل والصور في بلدان فارس والشام والعراق، لكنهم ‏حطموها في بلاد الهند وبلاد العرب. ذلك أنها لم تكن تعبد في فارس والشام ومصر. وتركوا تلك الصروح الضخمة والتماثيل الكثيرة ‏إلى اليوم.‏ وتأمل هذه الأمثلة:

دخل سعد بن أبي وقاص (فاتح العراق وأحد المبشرين للجنة) قصر كسرى في المدائن. وفي ذلك القصر صور كثيرة على الجدران ‏وتماثيل. ولم يهدم منها شيئاً، بل بقيت ليومنا هذا. ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ولا على غيره. فهذا إجماع منهم على جواز إبقائها ‏إن لم تكن تعبد من دون الله ولم يكن لها أي قدسية.‏ قال الطبري في تاريخه (2|464): «لما دخل سعد المدائن فرأى خلوتها، وانتهى إلى إيوان كسرى، أقبل يقرأ: {كم تركوا من جنات ‏وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين}. وصلى فيه صلاة الفتح، ولا تصلى جماعة. ‏فصلى ثماني ركعات لا يفصل بينهن. واتخذه مسجداً. وفيه تماثيل الجص: رجال وخيل. ولم يمتنع –ولا المسلمون لذلك– وتركوها على ‏حالها. قالوا: وأتم سعد الصلاة يوم دخلها، وذلك أنه أراد المقام فيها. وكانت أول جمعة بالعراق جمعت جماعة بالمدائن في سنة ست ‏عشرة».‏ وانظر كذلك تاريخ الإسلام للذهبي (3|158).

وكانت على جدران إيوان كسرى صور ملونة بالحجم الطبيعي، مرسومة بدقة فائقة. وما تزال هذه الصور إلى يومنا هذا. فهذه لم تكن مدفونة في الرمل طبعاً، بل هذا القصر دخله عدد من الصحابة وأقاموا فيه. فكيف لم يروا الصور وهي واضحة ما تزال لهذا اليوم؟! أما عدم القدرة على الهدم، فبديله الطمس (أي للصور). وهذا لا يحتاج لا لنفقة كبيرة ولا لتسخير عدد هائل من الناس. ومن السهل أن يأمر الحاكم بطلي الجدران من جديد. فلم يبق إلا أنهم فهموا أحاديث طمس الصور بأنها خاصة بما كانت له قدسية أو ما كان يعبد من غير الله. وهذه الصور استمرت مشاهدة يصفها المؤرخون والأدباء. قال ياقوت الحموي في معجم البلدان (1|295): «وقد كان في الإيوان صورة كسرى أنو شروان، وقيصر ملك أنطاكية، وهو ‏يحاصرها ويحارب أهلها».‏ وقد وصفها الشاعر العباسي الشهير البحتري في قصيدته السينية الرائعة. فيصور لنا البحتري هذه الصور بأنها من الدقة بحيث يكاد يتخيلها حقيقة فيلمسها بيده ليتأكد أنها مجرد صورة. فيقول في قصيدته:

حَضَرَت رَحلِيَ الهُمومُ فَوَجَّهــتُ إِلى أَبيَضَ المَدائِنِ عَنسي
وَإِذا مارَأَيتَ صورَةَ أَنطاكِيَّةَ إِرتَعتَ بَينَ رومٍ وَفُرسِ
وَالمَنايا مَواثِلٌ وَأَنوشَروانَ يُزجى الصُفوفَ تَحتَ الدِرَفسِ
في اِخضِرارٍ مِنَ اللِباسِ عَلى أَصفَرَ يَختالُ في صَبيغَةِ وَرسِ
تَصِفُ العَينُ أَنَّهُم جِدُّ أَحياءٍ لَهُم بَينَهُم إِشارَةُ خُرسِ
يَغتَلي فيهِم إِرتِابي حَتّى * تَتَقَرّاهُمُ يَدايَ بِلَمسِ

فالسؤال هنا: لماذا ترك الصحابة الصور في إيوان كسرى؟ احتار مخالفونا في الإجابة عن ذلك. فقال أحدهم أن علينا اتباع الحديث فقط وترك عمل الصحابة. وهذا عجيب، فو هل يفعل الصحابة أمرا من هوى أنفسهم؟ أليست أفعال الصحابة و أقوالهم هي ترجمة لتعاليم المصطفى (r)؟ فلا نحن تركنا أقوال الرسول (r)، ولا الصحابة رضوان الله عليهم فعلوا. ولكنهم فهموا النصوص بغير ما فهمها المخالف! والصحابة هم الذين رووا لنا تلك الأحاديث. وهم الذين قيلت لهم. ففهمهم مُقدم عند التعارض. وإجماع الصحابة من مصادر التشريع. ثم إن جميع الفرق الـ73 تدعي أنها تتبع القرآن والسنة. على أن الفارق المميز للفرقة الناجية أنها تتبع أصحاب الرسول (r). وأما دعوى أنهم كانوا طوال تلك السنين الطويلة مشغولين، فهي دعوى لا أظن صاحبها مقتنع بها، إلا أنه لم يجد غيرها. فهل صعُب على سعد بن أبي وقاص أو أحدٍ من الولاة بعده أن يأمر أحد العبيد بطلي تلك الجدران التي عليها الصور؟ وأما إنكار أن يكون الصحابة قد رأوا تلك الصور، فمكابرة وجحود. فإيوان كسرى هو أكبر المباني في المدائن، ودخول المسلمين إليه عند الفتح متواتر مشهور لا ينكره أحد. وقد ملأته الصور والتماثيل، وقد قيلت بها الأشعار. وقد صار الإيوان هو مركز الحكم في العراق حتى تم بناء الكوفة. وقد أجاب الشيخ د. أحمد الغامدي على السؤال فقال: «هذه الصور والتماثيل ليست أصناماً تعبد وإنما هي صور ترمز إلى أحداث، ولعل إبقاءها كان فيه عبرة». قلت لعله كذلك، والتعليل لإبقائها بأنها لا تُعبد هو عين قولنا. وقال: «خامساً: المحذور هو إنشاء الصور، وأما حديث علي –رضي الله عنه- في طمس التماثيل فهو في التماثيل المجسمة». لكن المسألة ليست صوراً وحسب، فإيوان كسرى مليء بالتماثيل كعادة الملوك. وعلي نفسه قد حكم العراق فلم يأمر بتدمير شيء من تماثيله.

وذكري لقصر كسرى مجرد مثال، حيث بقيت التماثيل الكبيرة ليست فقط في قصور كسرى بل في العراق والشام ومصر وفارس. نعم، حصل تحطيم لبعض الأصنام في السند وبلاد ما رواء النهر، عندما وجد الصحابة أقوماً عاكفون على عبادتها، كما حصل في جزيرة العرب نفسها، أما في غير ذلك فلا. ومن الطرائف أن أحد المعاصرين المؤيدين لهدمها، ادعى أن تلك التماثيل والأصنام الفرعونية كانت مطمورة بالرمال ولم تكن ظاهرة على وقت الصحابة! بل لم تظهر للعيان إلا قبل مئتين من السنيين. وهذا القول منه قصور في التتبع لكتب التاريخ. وإلا فكتب التاريخ مليئة بالأخبار التي تنص على معرفة المسلمين بها. من ذلك أنّ الجاحظ (وهو معاصر للأئمة مالك والشافعي وأحمد) عدد عجائب الدنيا فقال كما في حسن المحاضرة (3|65): «وصنم الهرمين وهو بلهوية ويقال بلهنيت وتسميه العامة أبو الهول، ويقال إنه طلسم للرمل لئلا يغلب على الجيزة». وقال ياقوت الحموي في معجم البلدان (5|401): «وعلى ركن أحدهما (يعني الهرمان) صنم كبير يقال له بلهيت. ويقال إنه طلسم للرمل لئلا يغلب على كورة الجيزة. وهو صورة رأس آدمي ورقبته ورأساً كتفيه كالأسد. وهو عظيم جداً. وهو صورة مليحة كأن الصانع فرغ منه عن قرب. وهو مصبوغ بحمرة إلى موجودة إلى الآن مع تطاول المدة وتقدم الأعوام». وانظر كذلك كلام ابن فضل في "مسالك الأبصار" (1|235) وكلام البغدادي في "الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر" (ص96).

وكان عدد الصحابة الذين دخلوا مصر أكثر من ثلاثمئة كما حقق ذلك السيوطي في "حسن المحاضرة" (1|166). وأول مدينة حاصروها هي مدينة "عين شمس" كما ورد عند ابن كثير في البداية والنهاية (7|98). وهي مشحونة بالتماثيل الكبيرة كما ذكر ذلك عبد اللطيف البغدادي في القرن السادس حيث قال في رحلته (ص96): «ومن ذلك الآثار التي بعين شمس. وهي مدينة صغيرة يشاهد سورها محدقاً بها مهدوماً، ويظهر من أمرها أنها قد كانت بيت عبادة. وفيها من الأصنام الهائلة العظيمة الشكل من نحت الحجارة، يكون طول الصنم زهاء ثلاثين ذراعاً، وأعضاؤه على تلك النسبة من العظم. وعلى معظم تلك الحجارة و تصاوير الإنسان وغيره من الحيوان كتابات كثيرة بالقلم المجهول». وقد سكن الصحابة الفسطاط والجيزة، وهما قريبان جداً من الإهرامات. ومن الجدير بالذكر هنا أن الأهرامات نفسها كانت مكسوةً بتصاوير لغة الفراعنة التي بعض حروفها على شكل طيور وحيوانات. قال البغدادي عن الأهرامات (ص92): «وعلى تلك الحجارات كتابات بالقلم القديم المجهول الذي لم أجد بديار مصر من يزعم أنه سمع بمن يعرفه. وهذه الكتابات كثيرة جداً، حتى لو نُقل ما على الهرمين فقط إلى صحف، لكانت زهاء عشرة آلاف صفحة». وذكر مثل ذلك المسعودي في تاريخه (1|361) وابن تغري في النجوم الزاهرة (1|41).

وعليه فالصحابة الذين دخلوا مصر، جزماً رأوا أبا الهول و تصاوير الأهرام. هذا فضلاً عن أصنام عين شمس التي لا شك ولا ريب أنهم رأوها بعد فتحها، ودخولهم في المدينة. ونفي رؤيتهم لها مكابرة. هذا إضافة إلى أصنام مدينة "منف" الفرعونية -وغيرها- التي أجزم أنهم رأوها، لكثرة عددهم وطول مكثهم في مصر. وهي التي يقول عنها البغدادي (ص102): «وأما الأصنام وكثرة عددها وعظم صورها، فأمر يفوت الوصف ويتجاوز التقدير. وأما إتقان أشكالها وإحكام هيئاتها والمحاكاة بها الأمور الطبيعية، فموضع تعجب بالحقيقة»، ومع هذا لم نرهم هدموا شيئاً منها. فهل كان المسلمون عاجزين عن هدم تلك الأصنام؟ هذا غير صحيح البتة، وذلك لأنهم حطموا حصن بابليون وأسوار نهاوند في فارس، ونقبوا كثيرا من الحصون التي حاصروها، وهي حصون عظيمة عليها حراسات مشددة ترمي المسلمين بالسهام حالة نقبهم وهدمهم لها. أتراهم عاجزين عن تشويه وجوه تلك الأصنام على الأقل؟ فو الله إن لم يكن هذا القول إهانة للصحابة فكيف تكون الإهانة؟ وهل يعقل أن يكون غير المسلمين قادرين على البناء والمسلمون عاجزون عن مجرد الهدم؟ هذا محال.

فالخلاصة أنه لا يجوز تعليق أي صورة (بما فيها الصور الفوتوغرافية) إذا كان هذا سيؤدي إلى تعظيمها أو التبرك بها (وبخاصة صور المشايخ والزعماء). وأما إن أمِن من ذلك (كأن يعلق الرجل صورته أو صورة ولده) فلا بأس به. وما كان من الصور في غير موضوع التعظيم مثل الوسائد والسجاد، فليس فيه كراهة، وكذلك الأمر في التماثيل. ولا بأس بلعب الأطفال، لأنها لا تُعظّم. وإذا كانت التّماثيل المصنوعة تحقّق مصلحة مشروعة كما لو كانت للتّعليم أو التّدريب (كالتي تستخدم كوسائل إيضاح في المدارس)، فإنّها أيضاً ترتفع من الإباحة إلى الاستحباب، وربّما كانت واجبة في بعض الحالات إذا أصبحت وسيلة فعّالة لفهم العلوم والتّقدّم فيها. والله أعلم بالصواب.