حديث أنهار الجنة الأربعة، والرد على من طعن به

في صحيح مسلم #2839 عن أبي هريرة مرفوعا: «سيحان وجيحان، والفرات والنيل كل من أنهار الجنة» أي هذه أنهار أهل الجنة وهم المسلمون، والحديث بشارة بفتح هذه البلاد، وهو ما حصل بعهد عمر. وهذا ما أراه التأويل الصحيح، لأن مناسبة هذا الحديث كان في حادثة الإسراء والمعراج، وبذلك يكون بشارة للنبي عليه الصلاة والسلام وتخفيفا عما يلقاه من أذى من قومه.

وفي الصحيحين من حديث مالك في حادثة المعراج: «ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى. وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رفع لي البيت المعمور، ثم أتيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبن فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك».

وقد قال أحد العلماء (كما في الأنوار الكاشفة): لا ريب أن كل ما رآه النبي ﷺ ليلة الإسراء حق، لكن منه ما كان بضرب من التمثيل يحتاج إلى تأويل، وقد ذكر في بعض الروايات أشياء من هذا القبيل. وقد يقال: إن سدرة المنتهى -مع أنها حقيقة- ضُرِبت مثلاً لكمة الإسلام على نحو قوله تعالى {ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء}، وجعل مغرسها مثلاً للأرض التي ستثبت فيها كلمة الإسلام في الدنيا والأرض التي يرثها أهله في الجنة، فرمز إلى الأولى بما فيه مثال النيل والفرات، وإلى الثانية بما فيه مثال النهرين اللذين في الجنة.

وهناك من أول هذا الحديث بأنه ثناء على مياه هذه الأنهار بتشبيهها بأنهار الجنة. قال ابن كثير: أن هذه الأنهار تشبه أنهار الجنة في صفائها وعذوبتها وجريانها.

قال ابن حزم بالمحلى (5|330): وهذان الحديثان ليس على ما يظنه أهل الجهل من أن تلك الروضة قطعة منقطعة من الجنة، وأن هذه الأنهار مهبطة من الجنة، هذا باطل وكذب؛ لأن الله - تعالى - يقول في الجنة {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى - وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى}. فهذه صفة الجنة بلا شك. وليست هذه صفة الأنهار المذكورة ولا تلك الروضة، ورسول الله -عليه السلام- لا يقول إلا الحق. فصح أن كون تلك الروضة من الجنة (يقصد حديث «بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي») إنما هو لفظها، وأن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة، وأن تلك الأنهار لبركتها أضيفت إلى الجنة، كما تقول في اليوم الطيب: هذا من أيام الجنة؛ وكما قيل في الضأن: إنها من دواب الجنة، وكما قال -عليه السلام-: «إن الجنة تحت ظلال السيوف» فهذا في أرض الكفر بلا شك، وليس في هذا فضل لها على مكة. انتهى.

وهذا تأويل جائز، وعليه أمثلة كثيرة، وإن كنت أرى أن التأويل الأول هو الأصح، لأن مناسبة ذكر الأنهار هو بشارة للنبي ﷺ.

العودة للصفحة