حكم بعض اللحومات والمأكولات والأشربة

الجيلاتين

الجيلاتين (Gelatin E441) مادة بروتينية وهو يدخل في صنع مواد كثيرة جداً مثل الجميد (آيس كريم بالانكليزية أو البوظة بالفارسية) والألبان والجبن والشوكولاة وكثير جداً من الأغذية المصنعة، وأهم من ذلك أنه يستخدم في صنع غلاف الأدوية. وله استعمالات أخرى في غير المواد الغذائية. يمكن استخراجه من أي حيوان تقريباً، لكن عادة يستخرج من عظام البقر والخنازير وجلودها ومن حسك السمك، وهناك أنواع تستخرج من النباتات.

لتصنيع الجيلاتين من عظام الحيوانات يجب تنظيف العظام من الدهون. ثم تُنْقع في حمض الهيدروكلوريك لتخليصها من المعادن، وتُغْسَلَ عدة مرات في ماء نقي. تُسَخن العظامُ النظيفة في ماءٍ مقطرٍ في درجة حرارة 33م لعدة ساعات وتستخلص العظام ويُعَادُ تسخينها في ماءٍ مقطرٍ درجة حرارته 39م. يُعالج السائل كيميائيًا لتكوين جيلاتين نقي. وأخيرًا، يُركز الجيلاتين ويُبرد ويُشرَّح ويُجفف. يكون الإنتاج النهائي غالبًا على شكل مسحوق. يُعمل جيلاتين الجلد بالطريقة نفسها تقريباً، إلا أن معالجة الجلد قبل التسخين مختلفة. يُستخدم الجير للتخلص من الدهون وبعض المواد الأخرى في الجلد. ثم يُغسل في الماء، ويُعالج بمحلول حمض الهيدروكلوريك.

النوع النباتي والنوع السمكي حلال بغير خلاف أعلمه. لكن عادة يقال "الجيلاتين" دون ذكر مصدره، وأحيانا نراسل المعمل نفسه فلا يستطيعون تحديد مصدره (لأنه من مصادر متعددة). والخنزير نجس إجماعاً، والبقر قد يكون ميتة كذلك. وهذا الجيلاتين فيه خلاف، ولعل أكثر المعاصرين يرون التحريم. وأنا لي ثلاث مسائل عليه:

1- عادة تكون كمية الجيلاتين المستخدمة قليلة، فهل يمكن أن يعفى عنه قياساً على الانفحة؟ حيث أنها تستخرج من الميتة لصنع الجبن، وقد سبق وبينا أن الصحابة أجازوها وكثير ممن بعدهم، وهذا على الراجح بالنظر لقلتها بالنسبة للحليب المضافة إليه. وللعلم فإنه إذا لم يُكتب الجيلاتين (في المنتجات الأميركية) ضمن المكونات، فهذا معناه أن كميته قليلة. ومثال ذلك عصائر الفواكه المنتشرة في الأسواق غالباً يستعمل معها الجيلاتين لتنقيتها. أما في الأدوية (وهي المقصودة بالبحث) فنسبة الجيلاتين ليست مهملة.

2- الجيلاتين تحدث به استحالة جزئية أثناء تصنيعه. فهل هذه الاستحالة الجزئية تكفي لأن تبيحه؟ (ملاحظة: بحثت عن المعادلة الكيميائية لهذه الاستحالة فلم أجد أحداً تحدث عنها). وتذكر الموسوعة الفقهية (10|278) أن الاستحالة هي تغير الشيء عن صفته وطبعه، كالتخلل والدباغة والإحراق. السؤال: هل عملية استخراج الجيلاتين يحدث بها استحالة أم لا؟ وجدت أن المسلمين مختلفين في هذا. وكذلك اختلف اليهود والشيعة في إن كانت الاستحالة معتبرة هنا أم لا.

وقد ذُكِر في الندوة الفقهية الطبية الثامنة ((رؤية اسلامية لبعض المشاكل الصحية)) -المواد المحرمة والنجسة فى الغذاء والدواء- عام 1415هـ\1995م بالكويت: «الجيلاتين المتكون من استحالة عظم الحيوان النجس وجلده وأوتاره: طاهر وأكله حلال». نقلاً عن كتاب الفقه الإسلامي وأدلته (7|209-211) للزحيلي. ولم يذكر أسماء المشاركين من فقهاء وأخصائيين ولا ذكر أي تفاصيل لماذا قرروا أن الجيلاتين يتم بالاستحالة، ولا ذكر اسم من أفتى بهذا. وهذه هي مصيبة العصر: قلة التوثيق وعدم ذكر المراجع.

3- إذا لم يكن مصدر الجيلاتين معروفاً، فهل يجوز أن لا نسأل؟ أقول هذا بناء على فتوى ابن عثيمين وغيره، من أنه لا يجب السؤال والأصل الحل. وقد أفتى البعض بذلك أي إذا كان الجيلاتين مجهول الأصل فهو مباح الاستعمال (انظر 1 2 3 4). هذا والله أعلم.

الانفحة

المنفحة أو الإنفحة (Rennet) هي مادة بيضاء صفراوية تستخرج من كرش الحمل الرضيع أو الجدي (ميت أم مذبوح)، وتحتوي على أنزيم الرنين الذي يعمل على تخثير الحليب لصنع الجبن. يوضع منها قليل في اللبن الحليب فينعقد ويصير جبنا. مذهب أكثر الفقهاء هو تحريمه إذا أتى من الميتة، لكن الصواب هو أنه حلال، وقد أجازه عدد من الصحابة حتى لو أتى من ميتة.

وفي الجبن المصنوع بأنفحة الخنزير قولان حكاهما القرطبي في تفسيره. وتعليل المبيحين أنه: يسير جدا حيث يأخذون قطرة أو قطرتين من الأنفحة ويخففونها بماء، ثم يضعون قطرات من هذا المخفف على كمية كبيرة من الحليب فيتجبن. ومنهم من علل الإباحة بأن الأنفحة لا تماس لحم الميتة، فجعلوها كالشعر والصوف حيث تكون مصونة في غلافها. ومنهم من علل باستحالتها في الجبن. إلا أن التعليل بأن الذي يصل منها إلى آكل الجبن يسير جدا أقوى تعليلاتهم، والمسألة مبسوطة في كتب الفقه. وقد ورد سؤال للجنة الدائمة (22|263): تدخل الأنفحة في صناعة الأجبان، فهل تعتبر هذه الأجبان محلله لأن هذه الأنفحة تستخدم من أبقار أو عجول لم تذبح ذبحا شرعيا؟ ج: «لا حرج عليكم في أكل هذه الأجبان، ولا يجب عليكم السؤال عن أنفحتها، فإن المسلمين ما زالوا يأكلون من أجبان الكفار من عهد الصحابة ولم يسألوا عن نوع الأنفحة».

السِّباع والحيوانات المفترسة

وردت عدة أحاديث في النهي عن السباع ذات الأنياب. فمنها ما جاء عن ابن عباس قال: «نهى رسول الله r عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير». وفي "معجم المحيط":«نالسَّبْعُ : كل مالَهُ نابٌ من الحيوان ويعدو على النّاس والدّوابِّ فيفترسها، كالأسد والذئب والنمِر». والمراد بذي الناب ما يعدو بنابه على الناس وأموالهم كالأسد والنمر والذئب والضبع. وكذلك المراد بذي المخلب أي الذي يصطاد ويعدو به (من العُدوان) على الحيوانات الأخرى كالصقر والنسر، أما الدجاج فلا يُحرّم مع أن له مخالباً. وعلى هذا فالمعتبر في المحرم من السباع اشتماله على وصفين: كونه ذا ناب وكونه يعدو بهذا الناب. وطبعاً يعدو على غيره بنابه ليأكل اللحم، لا دفاعاً عن نفسه. ورغم وضوح هذا الحديث فقد اختلف بعض الفقهاء في فهمه، فحرموا حيوانات أحلها الله. ولعل سبب خطأهم والله أعلم هو عدم معرفتهم الوثيقة ببعض هذه الحيوانات.

فمنها الفيل، إذ حرمه كثير من الفقهاء. قال أبو حنيفة: كل ما أكل اللحم فهو سبع حتى الفيل والضبع واليربوع. مع أن الفيل ليس سبعا ولا جاء في تحريمه نص. وفوق ذلك ليس ممن يأكل اللحم. وعذرهم أنهم لم يعرفوا طباعه، فالفيل يعيش في الهند وليس في الكوفة، فضلا أن يعيش في صحراء الحجاز. وكذلك تحريمهم للزرافة حتى زعم البعض أنها حرامٌ بالإجماع! وعدّها من جملة ما يتقوى بنابه، مع أن الزرافة نباتية لا تأكل اللحم. وأكثر من تشدد في تحريم اللحم هو فقهاء الكوفة مثل أبي حنيفة وأصحابه، بينما تساهلوا كثيراً في الأشربة المحرمة. وعلى النقيض، فإن فقهاء المدينة خاصة مالك وأصحابه قد توسعوا كثيراً في إباحة اللحوم المحرمة، بينما شدّدوا في الأشربة. واختار الشافعية وبعض الحنابلة مذهباً عجيباً، فحرموا الطعام الذي لا يحبونه (كالنعامة) أو لا يعرفونه (كالزرافة) وأحلوا الطعام الذي يحبونه (كالضبع، على قذارته)، على خلاف بينهم في تلك الأصناف باختلاف أذواقهم. ونادى البعض بالعودة لذوق العرب عند البعثة، وهذه إحالة على جهالة، لأن أذواق الناس تختلف. فرسول الله r لم يكن يستسيغ الضب، مع أن خالد بن الوليد -وهو من قومه- كان يأكله. وقد قال أحد العرب: «نأكل كل ما دب ودرج، إلا أم حبين» وهي دويبة صفراء كبيرة البطن.

قال أبو داود في "سننه": حدثنا محمد بن داود بن صبيح، قال: ثنا الفضل بن دكين، ‏قال: حدثنا محمد -يعني: ابن شريك المكي- عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء ‏‏(جابر بن زيد)، عن ابن عباس قال: «كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء ‏تقذراً، فبعث الله تعالى نبيه ‏r، وأنزل كتابه وأحلَّ حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو ‏حلال، وما حرَّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو. وتلا {قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ ‏إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} [الأنعام: 145] إلى آخر الآية».‏ وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (17|338-645): «وأيضًا، فإن النبي r وأصحابه لم يحـرم أحد منهم ما كرهته العرب، ولم يبح كل ما أكلتـه العرب. وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 157‏]‏، إخبار عنه أنـه سيفعل ذلك. فأحل النبي r الطيبات وحرم الخبائث مثل: كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، فإنها عادية باغية، فإذا أكلها الناس -والغاذي شبيه بالمغتذي- صار في أخلاقهم شوب من أخلاق هذه البهائم، وهو البغي والعدوان».

الضبع

الضبع هو من السباع التي تصيد ضحاياها بأنيابها. وقد صح عن ابن أبي عمار قال: سألت جابر بن عبد الله عن الضبع، فأمرني بأكلها. قلت: أصيد هي؟ قال: «نعم». قلت: أسمعته من رسول الله r؟ قال: «نعم». فالذي رفعه جابر هو أن الرسول قد جعل الضبع من الصيد. أما كون الضبع حلال، فاجتهاد من جابر، فهماً منه بأن وصف الصيد يبيح الأكل. ذلك أنه قد جاء الحديث عن ابن عباس وأبي هريرة، ولم يذكر فيها حل أكله. وذكْرُ حل الأكل أولى بالتنويه من ذكر كونه صيداً. وفي مذهبي الحنفية والحنابلة أن كون الشيء صيداً يفدى ليس من شرطه حل أكله، حيث يُقصد الضبع والثعلب وغيرهما بالصيد للانتفاع بجلودها. وربما يكون مقصود رسول الله r أن قتل المُحرِم الضبعَ لدرء ضرره ينزل تحت تحريم عملية الصيد، وبالتالي فعليه دم. وإلا فالضبع من السباع المفترسة وله أنياب حادة قوية، وهذا لا أعلم به خلافاً بين علماء الحيوان. ويتغذى على أي لحم كان سواء صيداً أم جيفة، وقد يأكل ضحيته قبل موتها، بل وينبش القبور ليفترس جثث بني آدم. وهو يعدو على الإنسان ويأكله، ويعدو على السباع الصغيرة أو الوحيدة فيفترسها. وبعض أنواع الضبع مثل الضبع المرقط يصيد بشكل جماعي في قطعان، وهو يعتمد على الصيد أكثر من أكل الجيف.

قال الشيخ سليمان الماجد: «فهل يُظن أن تُحرم الحمر الأهلية التي غالب ما تأكله مباح، مع أن نظيرها الوحشي مباح؟ أو يُحرَّم أكلُ الجلالة لحمها وشرب لبنها وركوبها؛ لأنها تأكل القذر، ثم لا يحرم سبع ذو ناب؛ يأكل الجيف، وينهش فريسته حية ويغتذي بدمها دون أن يُعتبر فيه ما يُعتبر في الجلالة من نقاء لحمها مدة كافية؟». وقال ابن العربي المالكي كما في "فيض القدير" (4|258): «وعجباً لمن يحرم الثعلب وهي تفترس الدجاج، ويبيح الضبع وهو يفترس الآدمي ويأكله». والضبع أولى من الثعلب بالتحريم، إذ أن الثعلب لا يأكل الإنسان إلا أنه يصطاد ضحاياه. والضبع يصيد ضحاياه ويأكل الإنسان كذلك.

حيوانات برمائية

القاعدة العامة أن كل الحيوانات المائية هي حلال، لقول الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} (المائدة: 96)، ولا تحتاج إلى تذكية، بل يجوز أكل الميتة منها. وصح عن ابن عباس قوله: "طعامه ما قَذَف". وهذا يشمل المياه المالحة والعذبة. إلا أن البعض حرم ما تشابه اسمه مع بعض الكائنات البرية مثل كلب البحر (سمك القرش) و خنزير البحر (نوع من الفقمة) وحية البحر و أمثال ذلك. وهذا لا شيء، فهذه مجرد أسماء لا تغير من حقيقة الأشياء. بقيت هناك الحيوانات البرمائية، حيث ليس هناك حد واضح يُبيّن ما الذي يجعلها من صيد البحر أم من صيد البر.

واستثنى البعض الضفدع لحديث فيه نظر. الحديث رواه ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان قال: ذكر طبيب عند رسول الله r دواء، وذكر الضفدع يجعل فيه. فنهى رسول الله r عن قتل الضفدع. والحديث يدور على سعيد بن خالد بن عبد الله بن قارظ. قال المِزّي: قال النسائي: ضعيف. قال ابن حجر: قال النسائي في "الجرح و التعديل": ثقة. فيُنظر في أين قال إنه ضعيف. وقال الدارقطني: مدني، يحتج به. والحديث استدل به البيهقي والطحاوي على تحريم أكل الضفدع رغم أن الحديث ليس صريحاً. وحجتهم أن النهي عن قتل حيوان يشير إلى تحريم لحمه! مع أنه قد يكون سبب النهي عن قتله ليس لتحريم أكله، فقد علله البعض بأن نقيقه تسبيح! والمقصود أن القتل والأكل ليسا دوماً مرتبطين ببعض.

وهناك حيوانات (كالتمساح) اختلف بها العلماء إن كانت تعتبر من حيوانات البر فتحرّم (لكونها من السباع)، أو من حيوانات الماء فتحل. وبنظري أن الضابط أن الحيوانات التي تعيش معظم حياتها في الماء هي حيوانات مائية وإن كانت تتنفس الهواء (كالدلافين والحيتان) وحتى إن كانت تبيض على الساحل (كالسلاحف البحرية). وأما إذا كانت تعيش معظم حياتها في البر، فهي من كائنات البر. وبذلك يكون التمساح محرماً. وقد بحث د. عبد الرحمن بن فايع في كتابه "أحكام البحر في الفقه الإسلامي"، مسألة صيد الحيوان الذي يعيش في البر والبحر (ص236-238)، ورجح أن يعطى حكم المكان الذي يبيض ويتوالد فيه (وهذا يعني تحريم التمساح كذلك). ولم أطلع على أدلته، فليراجع.