تنميص الحواجب عند النساء

 

جاء في فتح الباري (10|378): «قال بعض الحنابلة (منهم ابن الجوزي): "إن كان النمص أشهر شعاراً للفواجر وامتنع، وإلا فيكون تنزيها". وفي رواية: "يجوز بإذن الزوج، إلا إن وقع به تدليس (أي غش) فيُحرَّم". قالوا: ويجوز الحف والتحمير والنقش والتطريف إذا كان بإذن الزوج لأنه من الزينة». قال عطية صقر: يعني أن إزالة شعر الوجه ومنه تزجيج الحواجب يكون حراماً إذا قصد به الغش والتدليس على من أراد أن يتزوج فتبدو له المرأة جميلة، ثم يظهر بعد ذلك أنها ليست كما رآها. وهو غش وكذلك يكون حرامًا إذا قصد به الفتنة والإغراء كما هو شأن الفاجرات المتاجرات بالعرض والشرف. وبدون هذين القصدين يكون حلالاً. قال الطاهر بن عاشور في مقاصد الشريعة الإسلامية (ص91): «يتضح لنا دفع حيرة وإشكال عظيم يَعرُضُ للعلماء في فهم كثيرٍ من نهي الشريعة عن أشياء لا تجد فيها وجه مفسدة بحال، مثل تحريم وصل الشعر للمرأة (الشعر الاصطناعي)، وتفليج الأسنان، والوشم في حديث ابن مسعود (ذكر حديث: لعن الله الواصلات)... فإن الفهم يكاد يضِلُّ في هذا. إذ يرى ذلك صنفاً من أصناف التزيّن المأذون في جنسه للمرأة، كالتحمير والخلوق والسواك... ووجهه عندي -الذي لم أر من أفصح عنه- أن تلك الأحوال كانت في العرب أمارات على ضعف حصانة المرأة، فالنهي عنها نهي عن الباعث عليها أو عن التعرض لهتك العرض بسببها». قلت: الوشم بالذات قد جاء فيه النهي للرجل وللمرأة، فيستثنى مما ذكره ابن عاشور.

والبعض يحتج بقول الله عز وجل على لسان الشيطان: {وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ...} (119) سورة النساء. لكن هذه الآية ليست حجة لهم، لأن تغيير خلق الله هنا يعني تغيير دين الله الإسلام الذي فطر اللهُ الناسَ عليه. صح ذلك عن جماهير المفسرين: إبراهيم ومجاهد وعكرمة وقتادة وابن زيد وآخرون، وروي عن ابن عباس. وقال الحسن: هو الوشم. وقال عكرمة وابن عباس في إحدى قوليهما: هو إخصاء البهائم. وفي الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: «لعن الله الواشمات والمستوشِمات، والنامصات والمُتَنَمِّصَاتِ، والمُتَفَلِّجات للحُسْن المغيّرات خَلْقَ الله».

قال الطبري (9|222): «وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك، قولُ من قال: معناه: "ولآمرنهم فليغيرن خلق الله"، قال: دين الله. وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه، وهي قوله: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [سورة الروم: 30]. وإذا كان ذلك معناه، دخل في ذلك فعل كل ما نهى الله عنه: من خِصَاءِ ما لا يجوز خصاؤه، ووشم ما نهى عن وشمه وَوشْرِه، وغير ذلك من المعاصي، ودخل فيه ترك كلِّ ما أمر الله به. لأن الشيطان لا شك أنه يدعو إلى جميع معاصي الله وينهى عن جميع طاعته. فذلك معنى أمره نصيبَه المفروضَ من عباد الله، بتغيير ما خلق الله من دينه. فلا معنى لتوجيه من وجَّه قوله: "ولآمرنهم فليغيرن خلق الله"، إلى أنه وَعْد الآمر بتغيير بعض ما نهى الله عنه دون بعض، أو بعض ما أمر به دون بعض. فإن كان الذي وجه معنى ذلك إلى الخصاء والوشم دون غيره، إنما فعل ذلك لأن معناه كان عنده أنه عنى به تغيير الأجسام، فإن في قوله جل ثناؤه إخبارًا عن قيل الشيطان: "ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام"، ما ينبئ أن معنى ذلك على غير ما ذهب إليه. لأن تبتيك آذان الأنعام من تغيير خلق الله الذي هو أجسام. وقد مضى الخبر عنه أنه وَعْد الآمر بتغيير خلق الله من الأجسام مفسَّرًا، فلا وجه لإعادة الخبر عنه به مجملا. إذ كان الفصيح في كلام العرب أن يُترجم عن المجمل من الكلام بالمفسر، وبالخاص عن العام، دون الترجمة عن المفسر بالمجمل، وبالعام عن الخاص. وتوجيه كتاب الله إلى الأفصح من الكلام، أولى من توجيهه إلى غيره، ما وجد إليه السبيل».

جاء في "التحرير والتنوير": «العدول عن الإسلام إلى غيره تغيير لخلق الله. وليس من تغيير خلق الله التصرّف في المخلوقات بما أذن الله فيه ولا ما يدخل في معنى الحسن؛ فإنّ الختان من تغيير خلق الله ولكنّه لفوائد صحيّة، وكذلك حَلق الشعر لفائدة دفع بعض الأضرار، وتقليمُ الأظفار لفائدة تيسير العمل بالأيدي، وكذلك ثقب الآذان للنساء لوضع الأقراط والتزيّن، وأمّا ما ورد في السنّة من لعن الواصلات والمتنمّصات والمتفلّجات للحسن فممّا أشكل تأويله. وأحسب تأويله أنّ الغرض منه النهي عن سِمَات كانت تُعَدُّ من سمات العواهر في ذلك العهد، أو من سمات المشركات، وإلاّ فلو فرضنا هذه مَنهيّاً عنها لَما بلغ النهي إلى حدّ لَعن فاعلات ذلك. وملاك الأمر أن تغيير خلق الله إنّما يكون إنما إذا كان فيه حظّ من طاعة الشيطان، بأن يجعل علامة لِنحلة شيطانية، كما هو سياق الآية واتّصال الحديث بها... وجملة {ومن يتُخذ الشيطان وليّاً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً} تذييل دالّ على أنّ ما دعاهم إليه الشيطان: من تبتيك آذان الأنعام، وتغيير خلق الله، إنّما دعاهم إليه لما يقتضيه من الدلالة على استشعارهم بشعاره، والتديّن بدعوته، وإلاّ فإنّ الشيطان لا ينفعه أن يبتّك أحد أذن ناقته، أو أن يغيّر شيئاً من خلقته، إلاّ إذا كان ذلك للتأثّر بدعوته».  وقال ابن عاشور في "مقاصد الشريعة الإسلامية" (ص91): «يتضح لنا دفع حيرة وإشكال عظيم يعرض للعلماء في فهم كثير من نهي الشريعة عن أشياء لا تجد فيها وجه مفسدة بحال، مثل تحريم وصل الشعر للمرأة، وتفليج الأسنان، والوشم في حديث ابن مسعو... فإن الفهم يكاد يضل في هذا، إذ يرى ذلك صنفاً من أصناف التزين المأذون في جنسه للمرأة كالتحمير والخلوق والسواك. ووجهه عندي الذي لم أر من أفصح عنه، أن تلك الأحوال كانت في العرب أمارات على ضعف حصانة المرأة. فالنهي عنها نهي عن الباعث عليها أو عن التعرض لهتك العرض بسببها». وهذا لا يستقيم إلا إن قلنا أن تحريم هذه الأشياء (وخصوصاً الوصل) في خارج بيت المرأة بحيث لا يطلع أجنبي عليها، حتى نقول إنها كانت سبباً لهتك العرض أو تصنيف المرأة في دائرة معينة.

أما استعمال الشعر الصناعي، فلا بأس به إذا كان بإذن الزوج، وإلا يحرم لما فيه من غش وتدليس. قال ابن قدامة في المغني (1|107): «والظاهر أن الْمُحَرَّمَ إنما هو وصل الشَّعْرِ بالشعر لما فيه من التدليس واستعمال المختَلَف في نجاسته. وغير ذلك لا يَحْرُمُ، لعدم هذه المعاني فيها وحصول المصلحة من تحسين المرأة لزوجها من غير مَضَرَّةٍ».

أما عن إزالة المرأة للشعر من وجهها فقد قال بعض العلماء: الحف هو حلق المرأة لشعر وجهها (بالشفرة مثلاً). يقال: "حفت المرأة وجهها" أي زينته بإزالة شعره. وهناك من العلماء من جعل النمص خاصاً بنتف الحاجبين، ولذلك أجاز حف الحاجبين، وهو الصواب. وشدد النووي فلم يجز الحف، واعتبره من النمص المحرم. ويرد عليه ما ذكره أبو داود في السنن، قال: «والنامصة هي التي تنقش الحاجب حتى ترقه». تنقش الحاجب: أي تنتف شعره بآلة النتف. فلم يدخل فيه حف الوجه وإزالة ما فيه من شعر. قال ابن قدامة في المغني (1|131): «وإن حُلِقَ الشعر فلا بأس، لأن الخبر إنما ورد في النتف. نص على هذا أحمد».

وأخرج علي بن الجعد في مسنده (1|80 #451) قال: حدثنا شعبة (ثقة ثبت) عن أبي إسحاق (السبيعي، ثقة ثبت) قال: دخلت امرأتي (هي أم يونس العالِية بنتُ أيْفَع) على عائشة وأم ولد لزيد بن أرقم. قال: وسألتها امرأتي (وفي رواية الطبري: وكانت شابة يعجبها الجمال) عن المرأة تحف جبينها؟ قالت: «أَمِيطِي عنكِ الأذى ما استطعت». ومعلومٌ أن شعبة لا يحمل عن أبي إسحاق إلا ما صرح فيه بالتحديث.

وأخرج عبد الرزاق في مصنفه (3|146): عن معمر (ثقة ثبت، عن غير العراقيين) والثوري (ثقة ثبت) عن أبي إسحاق (السبيعي الكوفي، ثقة ثبت بمستوى الزهري) عن امرأة ابن أبي السفر (*) أنها كانت عند عائشة. فسألتها امرأة فقالت: «يا أم المؤمنين. إن في وجهي شَعَراتٍ، أَفَأَنْتِفُهُنَّ: أتزيَّنُ بذلك لزوجي؟». فقالت عائشة: «أَمِيطِي عنك الأذى. وتصنَّعي لزوجك كما تصْنَعين للزيارة. وإذا أمركِ فلتطيعيه. وإذا أقسم عليك فأبرّيه. ولا تأذني في بيته لمن يكره».

وهذه الشعرات محمولة على أنها بين الحاجبين. وهذه يجوز نتفها أو حلقها كما في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (5|197)، لأنها ليست من الحاجبين. وهذا كله للمرأة المتزوجة بإذن الزوج، وإلا لا يجوز لأنه غش وتدليس. ولا شك أنه يجوز للمرأة أن تزيل ما قد ينبت لها من لحية أو شارب أو شعر في ساقيها أو يديها أو ظهرها. وقال أكثر العلماء باستحباب ذلك. بل ذهب المالكية إلى وجوب ذلك عليها، لأن في ترك هذا الشعر مثلة.

(*) ملاحظة: امرأة ابن أبي السفر هي أم مُحِبَّةَ رحمها الله، وهي تابعية، وزوجها هو عبد الله بن أبي السفر الكوفي (سعيد بن يحمد): ثقة بن ثقة. وخبر عبد الرزاق فيه اختصار في الإسناد: أبو إسحاق يروي عن امرأته العالية وهي التي سألت أم المؤمنين عن الحف، وامرأة أخرى سألت عن النتف (تفرد بذكرها الثوري). أما صاحبتها أم محبة فقد كانت معها وسألت عن بيع العينة (قالت: بعت زيد بن أرقم جارية إلى العطاء بثمان مئة درهم وابتعتها منه بست مئة) كما رواه عبد الرزاق عن الثوري عن أبي إسحاق. وكلا السؤالين في مجلس واحد، ولذلك أخطأ بعض الرواة. جاء في العلل للدارقطني (14|443): وسُئِل عَن حَدِيثِ امرَأَةِ أَبِي إِسحاق السَّبِيعِيِّ، عَن عائِشَة، فِي قِصَّةِ زَيدِ بنِ أَرقَم. فَقال: هِي أُمُّ يُونُس، واسمُها العالِيَةُ، امرَأَةُ أَبِي إِسحاق. ويَروِيهِ أَبُو إِسحاق، عَنِ امرَأَتِهِ أُمِّ يُونُس، عَن عائِشَة. وقال عَمّارُ بن رُزيَقٍ، عَن أَبِي إِسحاق، عَنِ العالِيَةِ امرَأَةِ أَبِي السَّفَرِ. ووَهِم فِي ذَلِك، وإِنَّما أَراد امرَأَة أَبِي إِسحاق. وأخرج الدارقطني في سننه (3|52 #211) من طريق: يونُس بن أبي إسحاق عن أمه العالية قالت: خرجتُ أنا وأم محبَّة إلى مكة، فدخلنا على عائشة فسلمنا عليها، فقالت: لنا ممن أنتنَ؟ قلنا: من أهل الكوفة. قالت: فكأنها أعرضت عنا، فقالت لها أم محبة: يا أم المؤمنين، كانت لي جارية وإني بِعتُها من زيد... وقريباً منه من أخرجه ابن سعد (8|487). وهذا مما يدل كذلك على أن دخولهن في مجلس واحد.

بقي ما ذكره ابن سعد (8|70): أخبرنا المُعَلَّى بن أسد حدثنا المعلى بن زياد القطعي حدثتنا بَكرة بنتُ عُقبة (لا تٌعرف) أنها دخلت على عائشة وهي جالسة في مُعَصْفَرَةٍ، فسألتها عن الحِنَّاءِ؟ فقالت: شجرةٌ طيبةٌ وماءٌ طهور. وسألتها عن الحِفاف؟ فقالت لها: إن كان لك زوجٌ، فاستطعتِ أن تنزِعي مُقْلَتَيْكِ (عينيكِ) فَتَصْنَعِيْنَهُمَا أحسنَ مما هُما، فافعلي. قال الذهبي عن راويي الحديث: المعليان: ثقتان.