أساسيات في الإسلام يجهلها كثير من العلماء

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد: فهذا المقال يعرض مفاهيم أساسية بعضها لا يتم الإسلام إلا بها، ومع ذلك يجهلها كثير من الناس بل كثير من العلماء نتيجة الهزيمة الفكرية أمام الفكر الغربي.

  1. انحطاط المسلمين بسبب الهزيمة النفسية

  2. معنى الولاء والبراء

  3. الحد الفاصل بين موالاة وتولي الكفار

  4. الجهاد والفتوحات الإسلامية

  5. الجزية وأهل الذمة

  6. قتل المرتد

  7. الرق في الإسلام

  8. تهنئة الكفار بأعيادهم

الأخطار التي يواجهها الإسلام اليوم - وبيان أشد أعداء الإسلام

لك شك أن أشدُّ خطر يواجه الأمة الإسلاميّة هو بعدها عن كتاب الله وسنة رسوله r، واستبدالهما بالقوانين الوضعيّة والمذاهب المنحرفة. وكلما كان المرء من السنة أبعد، كان من الشرك والبدعة أقرب. وسبب تفرق الأمة هو بعدها عن الإسلام، فإن الوحدة لا تكون إلا على الكتاب والسنة كما قال تعالى {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (103) آل عمران. لكن لو نظرنا إلى أخطر الأفكار التي تهدد كيان الأمة الإسلامية، لوجدنا أخطرها وأكثرها ضرراً هو الفكر الغربي. نعم هناك أخطار أخرى كالفكر الشيعي مثلاً، لكنه محصور في مناطق معينة. وهناك الفكر الصوفي الذي يُقعد الأمة عن الجهاد، لكنه كذلك ليس واسع الانتشار في الغالب، وهو مدعوم من الاستعمار. فالخطر الحقيقي هو الغزو الفكري الصليبي للعالم الإسلامي. وهو المسؤول عن نشر الشهوات وزرع الخلاف. والعالم الصليبي في الحقيقة ليس أقوى من العالم الإسلامي ولا أكثر عدداً. لكن الذي يضعف المسلمين هو إعجابهم بحضارة الكفار الجاهلية وانهدام مفهوم الاستعلاء عندهم. وهذا كله ناتج عن الجهل بأهم جزء من عقيدة التوحيد: توحيد الحاكمية الذي منه مفهوم الولاء والبراء. وسنرى أن الكثير من الإشكاليات الفكرية التي يستصعب فهمها بعض المسلمين اليوم، وربما يخجلون بها أمام الغربيين، لم تكن مشكلة أبداً عند المتقدمين.

والإسلام يدعو المسلم لأن يفخر بدينه ويعتز به، بل يستعلي به على غير المسلمين. يقول الله تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (139) سورة آل عمران. والإيمان اعتقاد وقول وعمل، لا كما يعتقد بعض العوام أن الإيمان في القلب فقط! فمن كان مؤمناً، فهو خير من أحسن كافر. {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ؟! (35) مَا لَكُمْ؟ كَيْفَ تَحْكُمُونَ!} سورة القلم. يقول الكاتب النمساوي "محمد أسد" عن انحطاط المسلمين: «ليس لنا للنجاة من عار هذا الانحطاط الذي نحن فيه سوى مخرج واحد؛ علينا أن نُشعر أنفسنا بهذا العار، بجعله نصب أعيننا ليل نهار! وأن نَطعم مرارته... ويجب علينا أن ننفض عن أنفسنا روح الاعتذار الذي هو اسم آخر للانهزام العقلي فينا، وبدلاً من أن نُخضع الإسلام باستخذاء للمقاييس العقلية الغربية، يجب أن ننظر إلى الإسلام على أنه المقياس الذي نحكم به على العالم. أما الخطوة الثانية فهي أن نعمل بسنة نبينا على وعي وعزيمة... يجب على المسلم أن يعيش عالي الرأس، ويجب عليه أن يتحقّق أنه متميز، وأن يكون عظيم الفخر لأنه كذلك، وأن يعلن هذا التميز بشجاعة بدلاً من أن يعتذر عنه !».

فالذي يحاول أن يعتذر للإسلام، ويخجل من تعاليم إسلامية، هو شخص مهزوم فكرياً أمام الجاهلية. وهذا غير الذي يدافع عن الإسلام، ويوضح مفاهيم أخطأ الناس في فهمها، أو يتدرج في طرح الإسلام عليهم حسب عقولهم. وليس اللوم على هؤلاء، لكن اللوم على من يتمنى في قرارة نفسه أن الله لم ينزل حكم كذا وكذا. فهذا أضر الناس على الإسلام. وقد يؤدي خجله من بعض تعاليم الإسلام أن ينكر هذه التعاليم. فيزعم أن الجهاد دفاعي فقط، وأن تعدد الزوجات مكروه، وأن حرية الكفر مكفولة بالإسلام، وأمثال ذلك. وهذا إنما يكون عن قناعة، أو عن ظن بأن من مصلحة الإسلام تحديث الناس بهذا وإن كان خطأ. لكن الإسلام يوجب على المسلم أن يقول الحق، ويُبلّغ الدعوة كما هي، دون أن يكون مسؤولاً عن النتائج. قال تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ...} (29) سورة الكهف. وهذا نوح عليه السلام من أهل العزم من الرسل لبث في الدعوة قرابة ألف سنة، فما آمن معه إلا القليل جداً. فهل يُلام على ذلك؟ اللهم لا، فإن مسؤولية الرسل ومسؤولية المسلمين هي البلاغ فقط {وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ} (17) سورة يــس، ولسنا مسؤولين عن النتائج.

يقول الشهيد سيد قطب في "في ظلال القرآن": «عن قتادة أن ناساً من كفار قريش قالوا للنبي r: "إن سرّك أن نتبعك، فاطرد فلانا وفلانا" ناسا من ضعفاء المسلمين. فقال الله تعالى {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ...} (52) سورة الأنعام. فرغم أن إسلام زعماء الكفر وقادته مما لا يختلف في كونه مصلحة عظيمة للدعوة، بل هو نصر وفتح كبير لها، ورغم أن مفسدة طرد وإبعاد هؤلاء النفر المستضعفين يظهر لأكثر العقول أنها أقل بكثير من مصلحة إسلام زعماء الكفر، إلا أن الله سبحانه وتعالى بـيّـن أن تلك المصلحة ملغاة، لا اعتبار لها، إذا جاءت من هذا الطريق. كما بين تعالى أن حفظ دين هؤلاء النفر المستضعفين: هو المصلحة الحقيقية».

ويقول في تفسيره لسورة الحج (4|2435): «إن كلمة "مصلحة الدعوة" يجب أن ترتفع من قاموس أصحاب الدعوات، لأنها مزلة، ومدخل للشيطان يأتيهم منه حين يعز عليهم أن يأتيهم من ناحية مصلحة الأشخاص! ولقد تتحول "مصلحة الدعوة" إلى صنم يتعبدون أصنامه وينسون معه منهج الدعوة الأصيل! إن على أصحاب الدعوة أن يستقيموا على نهجها ويتحروا هذا النهج، دون التفات إلى ما يعقبه هذا التحري من نتائج قد يلوح لهم أن فيها خطراً على الدعوة وأصحابها! فالخطر الوحيد الذي يجب أن يتقوه هو خطر الانحراف عن النهج لسبب من الأسباب، سواء كان هذا الانحراف كثيراً أو قليلاً. والله أعـــرف منهم بالمصلحة، وهم ليسوا بها مكلفين. إنما مكلفون بأمر واحد، أن لا ينحرفوا عن المنهج وأن لا يحيدوا عن الطريق».

ويقول في كتابه "معالم في الطريق": «وليس في إسلامنا ما نخجل منه، وما نضطر للدفاع عنه. وليس فيه ما نتدسّس به للناس تدسُّساً، أو ما نتلعثم في الجهر به على حقيقته.. إن الهزيمة الروحية أمام الغرب وأمام الشرق وأمام أوضاع الجاهلية هنا وهناك هي التي تجعل بعض الناس.. المسلمين.. يتلمس للإسلام موافقات جزئية من النظم البشرية، أو يتلمس من أعمال "الحضارة" الجاهلية ما يسند به أعمال الإسلام وقضاءه في بعض الأمور... إنه إذا كان هناك من يحتاج للدفاع والتبرير والاعتذار فليس هو الذي يقدم الإسلام للناس. وإنما هو ذاك الذي يحيا في هذه الجاهلية المهلهلة المليئة بالمتناقضات وبالنقائض والعيوب، ويريد أن يتلمس المبررات للجاهلية. وهؤلاء هم الذين يهاجمون الإسلام ويلجئون بعض محبيه الذين يجهلون حقيقته إلى الدفاع عنه، كـأنه متهم مضطر للدفاع عن نفسه في قفص الاتـهام!».

قال العلامة المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص25): «إن أضرّ الناس على الإسلام والمسلمين هم "المحامون الاستسلاميون"، يطعن الأعداء في عقيدة من عقائد الإسلام، أو حكم من أحكامه، ونحو ذلك، فلا يكون عند أولئك المحامين من الإيمان واليقين والعلم الراسخ بالدين والاستحقاق لعون الله وتأييده ما يثبتهم على الحق ويهديهم إلى دفع الشبهة، فيلجئون إلى الاستسلام بـ"نظام": 1- ونظام المتقدمين: التحريف. 2- ونظام المتوسطين: زعم أن النصوص النقلية لا تفيد اليقين، والمطلوب في أصول الدين اليقين. فعزلوا كتاب الله، وسنة رسوله عن أصول الدين. 3- ونظام بعض العصريين: التشذيب». رحم الله العلامة المعلمي، ماذا لو عاش ليرى القرضاوي؟

يقول الشيخ المنجد: «ومن عجائب الأمور أننا أصبحنا في زمن نرى فيه أناساً من المسلمين، يستحون أن يذكروا آيات الجهاد وأحاديثه أمام أصدقائهم من الكفار! وتحمّر وجوههم خجلاً من ذكر أحكام الجزية والاسترقاق وقتل الأسرى... وودوا لو محوا تلك الآيات والأحاديث من القرآن والسنة حتى لا ينتقدهم العالم المتخلف في مبادئه، الذي يزعمون أنه متحضر! وإذا لم يستطيعوا محوها، عمدوا إلى تأويلها وتحريفها ولي أعناقها حتى توافق أهواء ساداتهم. -ولا أقول حتى توافق أهواءهم، فإنهم أضعف من أن تكون لهم أهواء، وأشد جهلاً- بل أهواء سادتهم ومعلميهم من المبشرين والمستعمرين أعداء الإسلام».

وقال د. محمد حسين في "الإسلام والحضارة الغربية" (ص47): «أما الوسيلة الأخرى التي اتخذها الاستعمار لإيجاد هذا التفاهم المفقود [بين المسلمين والمستعمرين] وعمل على تنفيذها فهي أبطأ ثماراً من الوسيلة الأولى [تربية العلمانيين]، ولكنها أبقى آثاراً، كما لاحظ اللورد لويد. وهي تتلخص في: تطوير الإسلام نفسه، وإعادة تفسيره؛ بحيث يبدو متفقاً مع الحضارة الغربية، أو قريباً منها، وغير متعارض معها على الأقل، بدل أن يبدو عدواً لها، أو معارضاً لقيمها وأساليبها».

معنى الولاء و البراء

الولاء والبراء هو صلب الإيمان، وبه يظهر الفرق بين الصادق والكاذب. فالولاء هو موالاة المؤمنين ومحبتهم ونصرتهم. والبراء هو البراءة من الكفار. وهذا المفهوم يجسده قول الله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ...} (29) سورة الفتح، وقوله: {... أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ...} (54) المائدة.

الجهاد والفتوحات الإسلامية

جهاد الطلب (أي الجهاد الهجومي) فرض على المسلمين لفرض نظام الإسلام ونشر العدل في الأرض. على أن بعض المهزمين نفسياً من المعاصرين، جعلوا الجهاد للدفاع عن النفس فقط.

يقول وهبة الزحيلي في كتابه آثار الحرب (ص65): «ليس من أهداف الإسلام أن يفرض نفسه على الناس فرضا حتى يكون هو الديانة العالمية الوحيدة، إذ أن كل ذلك محاولة فاشلة ومقاومة لسنة الوجود ومعاندة للإرادة الإلهية». وهذا القول هو من باب الهزيمة الفكرية التي أدت إلى إساءة فهم أهم مقاصد الإسلام. ألم يقرأ الشيخ قول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (33) سورة التوبة. فالله يريد أن يظهر دينه على سائر الأديان، وسيفعل ذلك بلا ريب. هذه هي الإرادة الإلهية كما يصرح بها القرآن. وبعض الناس يظنون هذا مخالفاً لقوله تعالى : {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ...} (256) سورة البقرة. وليس هناك من تناقض قط. فالإسلام لا يجبر الناس على الدخول فيه، لكنه يسعى بكل قوة أن يفرض نفسه على الناس فرضاً بمعنى أنه يصبح هو الدين المهيمن وتصبح شريعته هي المسيطرة الحاكمة دون غيرها، وأما من لم يعتنق الإسلام فعليه أن يكون من أهل الذمة أي مواطن من الدرجة الثانية. وليس في هذا ظلم له، بل هو من باب إنزال الناس منازلهم التي يستحقونها.

يذكر الدكتور عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني في كتابه القيّم "أجنحة المكر الثلاثة: التبشير، الإستشراق، الإستعمار"، الفصل الثامن <خطط العدو لغزو الإسلام - بتفريغه من مضامينه الصحيحة>: «-4-محاولات الغزاة إلغاء ركن الجهاد في سبيل الله: ... وبحثوا عن سر هذه المقاومة العنيدة المستمرة، والفداء الذي لم ينقطع؛ فوجدوا أن من أركان الإسلام لنشره وصيانته وحماية المسلمين وبلادهم من أي تسلط غير إسلامي، ركن الجهاد في سبيل الله، الذي يغذيه في قلب المسلم إيمانه الراسخ بما أعد الله للمجاهدين في سبيله من أجر عظيم عنده، فهو إن لم يظفر برضوان الله والجنة يحركه الأمل بأن ينال الحسنيين أو إحداهما: النصر والجنة. ولذلك وجه الاستعماريون جهوداً عظيمة في خطة عظيمة متعددة الشُّعَب، لغزو هذا الركن العملي الخطير من أركان الإسلام، وإضعاف أثره في صفوف المسلمين، وهدم بواعثه في قلوبهم.
وفكروا وقدروا وخططوا، ثم استخدموا لهدمه عدة أسلحة، وعملوا على إلغائه ورفعه رفعاً كليّاً، وجربوا أن ينشروا بين المسلمين عقائد جديدة تفسر نصوص الإسلام بحسب أهوائها وتنادي بالإخوة الإنسانية، دون تفريق بين الأديان القائمة وتفسر الإسلام بأنه واحد من هذه الأديان المنتشرة في الأرض، يدعو إلى المحبة، وإلى التآخي العام بين البشر، مهما كانت مذاهبهم واتجاهاتهم وأعمالهم ومعتقداتهم، ولا يفرض نفسه على الناس فرضاً، وما هو بدين قتال وسفك دماء، وأما القتال الذي حصل في صدر الإسلام فقد كان عملية مرحلية فقط، انتهى دورها بانتشار الإسلام في العالم، وأضافوا إلى هذا التغيير في مفهوم الإسلام أخلاطاً اعتقادية أخرى تنسف الإسلام من أساسه . أهـ (ط دار القلم - ص 209).

ثم ذكر صـ(218): «-5- محاولة حصر ركن الجهاد في سبيل الله بالدفاع فقط: ولما لم تظفر القوى المعادية للإسلام برفع ركن الجهاد في سبيل الله من عقول المسلمين وقلوبهم، اتخذوا لهدم هذا الركن سلاحاً آخر، ألا وهو سلاح مهاجمة الإسلام عن طريق المستشرقين، وذلك باتهامه بأنه لم ينتشر بالدعوة والتبشير، والإقناع بأنه حق، وإنما انتشر بالسيف، وإكراه الناس عليه. وقد استطاعت هذه الفرية التي أطلقها المستشرقون أن تستدرج بعض المسلمين الغيورين على إسلامهم، وأن تبرر لبعض عملاء الاستشراق من المسلمين، أن يدافعوا عن فكرة الجهاد في سبيل الله بنظريات تنادي بأن الحروب الإسلامية لم تكن إلا حروب دفاعية فقط، فهدموا بذلك شطر من هذا الركن، واستفادت من هدمه القوى المعادية للإسلام فوائد عظيمة».

 

الجزية وأهل الذمة

الجزية في اللغة مشتقة من مادة (ج ز ي)، تقول العرب: "جزى، يجزي، إذا كافأ عما أسدي إليه"، والمعنى في المصطلح الإسلامي: هي قدر من المال يدفعه من هو قادر على القتال من النصارى و اليهود (أهل الذمة) في بلاد المسلمين حزاءً للمسلمين على حمايتهم، ويعفى منه الكهول و النساء و الأطفال و العجزة و المعاقين و اللذين يقاتلون في صفوف المسلمين. ويفرض على المسلمين دفع الزكاة التي تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء والمساكين. والإسلام لم يكن أول من أخذ الجزية، فهي قانون عند كل الأمم بمن فيهم اليهود (يشوع 10|16) والنصارى (متّى 24|17-27) (متى 16|21-22) (رومية 1|7-13).

قال الإمام مالك في الموطأ: "مضت السنة أن لا جزية على نساء أهل الكتاب، ولا على صبيانهم، وأن الجزية لا تؤخذ إلا من الرجال الذين قد بلغوا الحلم، وليس على أهل الذمة ولا على المجوس في نخيلهم ولا كرومهم ولا زروعهم ولا مواشيهم صدقة".

والمقصود من الجزية هو الخضوع للدولة الإسلامية وأحكامها، أي أحكام أهل الذمة. أما ما يشيعه بعض المستشرقون بأن الضغط المالي للجزية هو سبب إسلام النصارى، فكذب يفتقر لدليل. فقد كان كان الكاثوليك يفرضون الجزية على أرثوذكس مصر قبل أن يفتحها المسلمون، فما سمعناهم يقولون: إن الأرثوذكس تركوا طائفتهم إلى الكاثوليكية؛ هربًا من الجزية بل العكس، نجدهم يتفنون في ذكر صبر وصمود الأرثوذكس على عقيدتهم. وقبل ذلك أيام الوثنية يؤلف النصارى الحكايات الطوال عن بسالتهم في مواجهة عصر الاستشهاد، حين ألقاهم الرومان للأسود الجائعة وأحرقوهم في الميادين. نسي هؤلاء أن الجزية في الإسلام لم تزد في كل تاريخها عن أربع دنانير، وتراوحت في أغلب أحوالها بين دينار ودينارين. بل يقول المؤرخ بنيامين كما نقل عنه آدم متز في الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري: "إن اليهود في كل بلاد الإسلام يدفعون دينارًا واحدًا". ويقول دربير في كتابه "المنازعة بين العلم والدين": "إن المسلمين ما كانوا يتقاضون من مقهوريهم إلا شيئًا ضئيلاً من المال لا يقارن بما كانت تتقاضاه منهم حكوماتهم الوطنية". وبمثله، شهد ول ديورانت في قصة الحضارة بقوله: "ويُعفى منها الرهبان، والنساء، والذكور الذين هم دون البلوغ، والأَرِقَّاء، والشيوخ، والعَجَزة، والعُمي، والشديد الفقر"، ليس هذا فحسب، بل تسقط الجزية عند العجز عن سدادها.

بل هذا ما يقر به النصارى أنفسهم. يقول د. نبيل لوقا بباوي (قبطي): «إن الجزية التي فرضت على غير المسلمين في الدولة الإسلامية بموجب عقود الأمان التي وقعت معهم، إنما هي ضريبة دفاع عنهم في مقابل حمايتهم والدفاع عنهم من أي اعتداء خارجي، لإعفائهم من الاشتراك في الجيش الإسلامي حتى لا يدخلوا حرباً يدافعون فيها عن دين لا يؤمنون به. ومع ذلك فإذا اختار غير المسلم أن ينضم إلى الجيش الإسلامي برضاه فإنه يعفى من دفع الجزية». ويتابع د. لوقا قوله: «إن الجزية كانت تأتي أيضاً نظير التمتع بالخدمات العامة التي تقدمها الدولة للمواطنين مسلمين وغير مسلمين، والتي ينفق عليها من أموال الزكاة التي يدفعها المسلمون بصفتها ركناً من أركان الإسلام. وهذه الجزية لا تمثل إلا قدرا ضئيلا متواضعاً لو قورنت بالضرائب الباهظة التي كانت تفرضها الدولة الرومانية على المسيحيين في مصر، ولا يعفى منها أحد. في حيث أن أكثر من 70% من الأقباط الأرثوذكس كانوا يعفون من دفع هذه الجزية. فقد كان يُعفى من دفعها: القُصّر والنساء والشيوخ والعجزة وأصحاب الأمراض والرهبان».

فالمقصود من الجزية ليس المال بحد ذاته بل الخضوع المعنوي والقانوني للدولة الإسلامية وشرائعها. يقول إبن حزم في مراتب الإجماع: إن الشروط المشترطة على أهل الذمة في عقد الجزية هي: "عليهم أن يعطوا أربعة مثاقيل ذهبا في انقضاء كل عام قمري وصرف كل دينار اثنا عشر درهما، وأن لا يحدثوا كنيسة ولا بيعة ولا ديرا ولا صومعة، ولا يجددوا ما خرب منها، ولا يمنعوا المسلمين من النزول في كنائسهم، وبيعهم ليلا ونهارا ويوسعوا أبوابها للنازلين، ويضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثة، وأن لا يأووا جاسوسا، ولا يكتموا غشا للمسلمين، ولا يعلموا أولادهم القرآن، ولا يمنعوا أحدا منهم الدخول في الإسلام، ويوقروا المسلمين ويقوموا لهم من المجالس، ولا يتشبهوا بهم في شيء من لباسهم ولا فرق شعرهم، ولا يتكلمون بكلامهم ولا يتكنوا بكناهم، ولا يركبوا على السروج، ولا يتقلدوا شيئا من السلاح ولا يحملوه مع أنفسهم ولا يتخذوه، ولا ينقشوا خواتيمهم بالعربية، ولا يبيعوا الخمر من مسلم، ويجزوا مقادم رءوسهم، ويشدوا الزنانير، ولا يظهروا الصليب، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يطرحوا في طريق المسلمين نجاسة، ويخفوا النواقيس وأصواتهم، ولا يظهروا شيئا من شعائرهم، ولا يتخذوا من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين، ويرشدوا المسلمين ولا يطلعوا عليهم عدوا، ولا يضربوا مسلما ولا يسبوه ولا يستخدموه، ولا يسمعوا مسلما شيئا من كفرهم، ولا يسبوا أحدا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ولا يظهروا خمرا ولا نكاح ذات محرم، وأن يسكنوا المسلمين بينهم، فمتى أخلوا بواحدة من هذه الشروط، اختلف في نقض عهدهم وقتلهم وسبيهم وأخذ أموالهم" (إنتهى)

فالعلماء الذين يريدون استبدال الجزية بضريبة تطبق على جميع المواطنين بدون شروط الذمة، لم يفهموا الغاية من الجزية نفسها!

قتل المرتد

إن قتل المرتد إذا لم يتب من ردته، حكم ثابت في أحاديث صحيحة لا مطعن فيها، وعمل بها الصحابة رضي الله عنهم في زمن الخلفاء الراشدين، وبعد عهدهم رضي الله عنهم، وأطبق عليها جماهير أهل العلم، ونقلوا عليه الإجماع في المذاهب الإسلامية المعتبرة. وهو مما يحسم تذب ضعاف الإيمان، ويجعلهم يظهرون لأمتهم ولغيرها الثبات على مبدأ الإسلام العظيم. لكن بعض أهل الجهل من المهزومين فكرياً أمام الغرب قد زعموا أن المسلم إذا غير دينه إلى غيره من الأديان لا يقتل من أجل ذلك، ويمكن عقابه تعزيرا.

والذي روي عن عمر رضي الله عنه هو حبسه ثلاثة أيام واستتابته قبل قتله رجاء أن يتوب، وليس ترك قتله مطلقا، المحلى (11|191) التمهيد (5|307) مصنف ابن أبي شيبة (5|562) وكذلك المنقول عن إبراهيم النخعي هو قتل المرتد والمرتدة على حد سواء كما رجح ابن حجر في فتح الباري (12|268) وقوله عن المرتد " يستتاب أبدا" أنه إذا تكررت منه الردة، يستتاب في كل مرة. فالإجماع صحيح ليس فيه مطعن.

ويجب أن يُعلم هنا أن لا حرية مطلقة بلا قيد ولا شرط في أي مجتمع من المجتمعات البشرية. وعلى هذا فإذا كان للإنسان حرية الاعتقاد فهذا لنفسه، ولكن ليس من لوازم حرية الاعتقاد التي يريدها و يتمتع بها أن يكره الناس عليها أو يدعوهم إليها، لأنه إذا كان من حق الإنسان أن يضِلَّ هو، فليس من حقه أن يُضِلَّ غيره. ودار الإسلام: دولة فكرية عقائدية فأقصى ما يطمح المخالفون لعقيدتها أن يُسمح لهم بالعيش في ظل هذه الدولة ولا يصارحوها بمخالفتهم لعقيدتها التي قامت عليها دولتهم. فهل نطالب الدولة الإسلامية بأن تسمح لمن يخالفها بالدعوة إلى ما يناقض العقيدة الإسلامية ويسفه أصولها وتبقى الدولة الإسلامية تحميه؟ الارتداد تحلل من الالتزامات، ولا يمكن أن يتحلل فرد من التزاماته نحو ربه والمجتمع، لأن ترك الالتزامات نحو الخالق هي في الوقت ذاته التزامات نحو نفس المرتد وجماعته التي يعيش فيها، فهو بتحلله خطر على بقية المجتمع، فالارتداد لا يدخل في نطاق الحرية الشخصية.

والعجيب أن النصارى يطعنون في الإسلام بسبب حكم الردة، ويتناسون أن عندهم الحكم ذاته! افتح سفر الخروج (عند النصارى) (19|20) فستجد «كل من ذبح لآلهة إلا الرب، فقتله حلال». وهذا الكلام يوافقه العقل، فالله عز وجل هو من منح الإنسان الحياة وهو سبحانه يشرع لنا سلب هذه الحياة -التي هي ملكه أساساً- لحصول الشرك الذي ينافي الغاية التي من أجلها خلق الخلق. والشرك أعظم جريمة يرتكبها بشر. وفي سفر الخروج طبعة البروتستانت (32|28) يوجد ذكر قتل 3000 من اللاويين لارتدادهم عن ملة موسى، وهذا بعض النص: «قال الرب إله إسرائيل: على كل واحد منكم أن يحمل سيفه ويطوف المحلة من باب إلى باب فيقتل أخاه وصديقه وجاره». وفي التثنية أيضاً في حكم من دعاك لعبادة غير الله (13|6): «فلا ترضى له أو تسمع له ولا تشفق عليه ولا ترق له ولا تستره بل قتلاً تقتله ترجمه بالحجارة حتى تموت».

إن الكنيسة قد بقيت تؤكد على عدم اعتناق أي دين غير المسيحية واستخدمت القمع في ذلك، حتى جاءت الثورة الصناعية والتي أزاحت الكنيسة عن حيز السياسة بعد قرون من التسلط، وبعد أن كانت الكنيسة عائق أمام التطور الصناعي في أوروبا. فما ما عرفت أوروبا الحضارة إلا بعد أن نبذت الكنيسة ووضعتها جنباً في زاوية ضيقة. وبالعكس: ما عرف العرب الحضارة إلا بعد الإسلام.

 

الرق في الإسلام

كان الرق قبل الإسلام من الأمور الطبيعية عند سائر الشعوب واستمر كذلك إلى القرن الثامن عشر. وجاء الإسلام فلم يمنع الرق لكنه ضيق كل مداخله، وأبقى واحداً فقط هو الجهاد في سبيل الله. وشجع على تحرير العبيد وجعل هذا من أكثر ما يتقرب به الإنسان إلى ربه. وبينما كان العبد يُعامل بوحشية كالحيوان، جاء الإنسان فأعطاه حقوقه الإنسانية. فأمر السادة أن يحسنوا معاملتهم للرقيق: {وبالوالدين إحساناً * وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى *والجار الجنب * والصاحب بالجنب *وابن السبيل *وما ملكت أيمانكم * إن الله لا يحب من كان مختالاً فخورا}. وليقرر أن العلاقة بين السادة والرقيق ليست علاقة الاستعلاء والاستعباد، أو التسخير أو التحقير، فهم أخوة للسادة. قال رسول الله r: «إخوانكم خولكم .. فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم وليلبسه مما يلبس. ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم»، أخرجه البخاري. وقال: «من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه، ومن أخصى عبده أخصيناه»، متفق عليه. وهذه ضمانات إسلامية لم يصل إليها تشريع للرقيق في التاريخ كله.

والشبهة التي تدخل على بعض المسلمين اليوم، أن الرق لم يعد موجوداً في هذا العصر. فيدعي بعضهم أنه منسوخ ولا يجوز العودة إليه، لأن الإسلام أراد إلغاء الرق بالتدريج. وقام بعض الفقهاء بحذف أحكام الرق من كتب الفقه. وهذا كله خطأ فادح، لأن أحكام النسخ لا ينسخها إلا مشرعها وهو الله تعالى، ولا وحي بعد رسول الله r، فلا مجال لنسخ الرق. ولو أراد الله إلغاء الرق لأخبر بذلك، لكن هؤلاء المتأثرين بأنظمة الغرب لم يعرفوا حكمة الرق في الإسلام فظنوه نوعاً من الاسترقاق الروماني القديم، وشتان. إن الحكمة من الاسترقاق هي إعطاء آخر فرصة للكافر الحربي لأجل أن يتبد له الإيمان. وفي هذا أعظم فوز له حيث سينجو من عذاب الله. وبيان ذلك أن الحرب بين المسلمين والكفار إذا انتهت ووقع بأيدي المسلمين أسرى، ورأى الإمام المصلحة في استرقاقهم وتوزيعهم على الجنود كغنائم حرب، فإن هذا الصنيع سيترتب عليه أن يعيش هذا الرقيق الكافر في بيت إسلامي، وفي مجتمع إسلامي، وسيُعامل معاملة حسنة. وسينظر بهدوء وروية وبتؤدة معاني الإسلام التي يسمعها ويراها مطبقة. والغالب أن هذا النظر الهادئ سيقوده إلى أعظم فوز على الإطلاق وهو الإيمان المؤدي الظفر برضا الله والنجاة من النار. فيكون الأسر والاسترقاق سبباً له لهذا الفوز العظيم. ثم استرداد حريته سيكون سهلاً له، إذ أن هناك تشريع إسلامي مرغوب فيه وهو مكاتبة الرقيق على أن يسمح له سيده بالعمل وبجمع مبلغاً من المال يقدمه لسيده فداءاً له لعتقه. ومن مصارف الزكاة معونة هؤلاء المكاتبين. ولذلك تجد أن نسبة كبيرة من علماء التابعين كانوا في الأصل عبيداً كفاراً تم أسرهم في الفتوحات، فأُعجبوا بالإسلام وأسلموا، ثم نالوا حريتهم وصاروا من كبار العلماء. منهم عطاء، وعكرمة مولى ابن عباس، ونافع مولى ابن عمر، وغيرهم كثير جداً.

الحد الفاصل بين موالاة و تولي الكفار

قال الشيخ علي بن خضير: تولي الكفار: هذا كفر أكبر وليس فيه تفصيل، وهو أربعة أنواع:

وكل هذه الأنواع الأربعة يكفر بمجرد فعلها، وليس كما يقول أهل الإرجاء. أما الموالاة فهي قسمان:
1) قسم يسمى التولي: وهو الأقسام التي ذكرنا قبل هذا، وأحيانا تسمى الموالاة الكبرى أو العظمى أو العامة أو المطلقة، وهذه كلمات مترادفة للتولي.
2) موالاة صغرى أو مقيدة: وهي كل ما فيه إعزاز للكفار من إكرامهم أو تقديمهم في المجالس أو اتخاهم عمالا ونحو ذلك، فهذا معصية، ومن كبائر الذنوب، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة}، فسمى إلقاء المودة موالاة ولم يكفرهم بها بل ناداهم باسم الإيمان. وهذه الآية فسرها عمر فيمن اتخذ كاتبا نصرانيا لما أنكر على أبي موسى الأشعري.

كذا قال وفي بعض كلامه نظر.

تهنئة الكفار بأعيادهم

قام عمرو خالد بحضور الاحتفال بأعياد الميلاد مساء الأحد 6-1-2008، في كاتدرائية الأقباط بالقاهرة، لتهنئة الأقلية القبطية المصرية بعيد الميلاد. قال خالد: «أتيت بمبادرة شخصية، فلم يدعني أحد. والحقيقة أنني جئت إلى مقر الكاتدرائية المرقسية لكي أبدأ التنفيذ العملي لبرنامجي: دعوة للتعايش». وأعرب عن اعتقاده أن «بداية هذا التعايش تتمثل في مشاركتنا للإخوة الأقباط في أفراحهم». وأسوء من هذا أن 138 من علماء السوء يهنئون قداسة البابا بنديكتوس (الذي تطاول على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى الإسلام!) بعيد الميلاد. ثم لحقهم عملاء آخرون فبلغت اللائحة 300 شخص حالياً.

هؤلاء قوم أثرت فيهم الهزيمة الفكرية حتى اعتادوا على الذل، وسهلت عليهم المهانة، فترى الكافر يشتمهم ويسفه دينهم ويصرح بعداوته لهم، وهم يبشون في وجهه ويتزلفون له ويوادونه... لكن من خالفهم من المؤمنين يسلقونه بألسنة حداد، ويرمونهم بالتخلف والإرهاب والتشدد وأمثال ذلك. فهؤلاء أذلة على الكافرين أعزة على المؤمنين. ولو كان عندهم محبة حقيقية لنبينا محمد عليه أتم الصلاة والتسليم، لما وادّوا وعظموا عدوه وشاتمه بنديكتوس لعائن الله عليه وعلى قومه. {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم}. فلا عجب أبداً في انحطاط المسلمين. وهل تخلف المسلمون إلا بسبب هذه العقليات الانهزامية؟ وهل نستغرب دعم الغرب (عن طريق الإعلام) لهؤلاء العملاء ومحاربتهم لخصومهم من العلماء الصادقين؟ وهل نستغرب سبب اختيار مجلة التايمز الأميركية (المملوكة من اليهود) لعمرو خالد كأكثر شخصية مؤثرة في العالم الإسلامي؟

عمرو خالد هو المقدِّم الرئيسي لما يسمى بالإسلام الموديرن. لقد تحدى هذا المحاسب المغرور كل علماء الإسلام وأصر أن يذهب مع صاحبه الجفري الصوفي إلى الدنمارك ليلتقي بشاتمي نبينا عليه الصلاة والسلام. وبالرغم أنه عاد بخفي حنين إلا أنه يظن أنه انتصر! ويستشهد بمقال التايم على صحة منهجه. كأنك الأنوك ما قرأ قول الله تعالى {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}. بل لو فكر بعقله لعرف أن تصنيفه مع الفاجرة نانسي عجرم هو ذم لا مدح. لكنه ما يزال مفتخراً بمقال التايمز (المملوكة من شركة تايمز ورنر اليهودية) ويطير فرحاً لمجرد أن الغرب ذكره. فسبحان الله كيف يهدي من يشاء ويضل من يشاء. والذي كتب المقالة في مدحه في التايمز هي العاهرة (باعترافها) المرتدة أسرا نوماني. ولا عجب أن أعداء الإسلام يعرفوننا أكثر مما نعرف أنفسنا ويعرفون جيدا من يصلح لتصدر الإعلام ممن يجب محاربته. يقول أحد الكتاب: «إن اهتمام الغرب بعمرو خالد رهن بالنموذج الإسلامي الذي يبحث الغرب عن ترويجه والتسويق له في المرحلة المقبلة ضمن استراتيجية معروفة لنقل المعركة داخل الإسلام نفسه. طبعا في هذا الإطار لن يجد الغرب أفضل من "الأخ" عمرو خالد الذي يقدم ما أسميته في دراسة نشرتها عنه قبل أربعة أعوام: "الدايت إسلام" أو " الإيركونديشن إسلام"... إسلام منزوع المقاومة وبلا أي نفس نضالي.. إسلام الرفاهية الذي أقصى ما يطمح له هو "أسلمة" الغرب وتوطين أفكاره وقيمه الأساسية في العالم الإسلامي بعد أن يكسوها بديباجات إسلامية!».

ويُذكر أن تهنئة الكفار بأعيادهم الدينية حرام بالإجماع ومن كبائر الذنوب. وروى البيهقي بإسناد مرسل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم». وأخرج البخاري في التاريخ الكبير (4|14) عن عمر بإسناد ضعيف: «اجْتَنِبُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ فِي عِيدِهِمْ». وروى البيهقي في السنن الكبرى (9|392): أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنبأ أبو بكر القطان، ثنا أحمد بن يوسف، ثنا محمد بن يوسف (بن واقد)، قال: ذكر سفيان (الثوري) عن عوف (بن أبي جميلة)، عن الوليد أو أبي الوليد (لم أعرفه) , عن عبد الله بن عمرو، قال: «من بنى ببلاد الأعاجم وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة». وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب , ثنا الحسن بن علي بن عفان، ثنا أبو أسامة، ثنا عوف، عن أبي المغيرة (مجهول)، عن عبد الله بن عمرو، قال: " من بنى في بلاد الأعاجم فصنع نوروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة ". وهكذا رواه يحيى بن سعيد , وابن أبي عدي , وغندر , وعبد الوهاب , عن عوف , عن أبي المغيرة , عن عبد الله بن عمرو من قوله. وهذا قول فقهاء الإسلام في كل عهد إلى وقتنا المعاصر حين ظهر المنهزمون فكرياً.

جاء في "فيض القدير" (4|511): «وقال أبو حفص الحنفي: "من أهدى فيه بيضة لمشرك تعظيما لليوم كفر". وكان السلف يُكثرون فيه الاعتكاف بالمسجد. وكان علقمة يقول: «اللهم إن هؤلاء اعتكفوا على كفرهم ونحن على إيماننا فاغفر لنا"». وجاء في مختصر الواضحة (وهو من أمهات الكتب عند المالكية القدامى): «ألا ترى أنه لا يحلّ للمسلمين أن يبيعوا للنصارى شيئاً من مصلحة عيدهم، لا لحماً ولا إداماً ولا ثوباً، ولا يُعارون دابة ولا يُعانون على شيء من دينهم. لأن ذلك من التعظيم لشركهم وعونهم على كفرهم. وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك. وهو قول مالك وغيره، لم أعلم أحداً اختلف في ذلك». وقال الإمام الرباني ابن القيم: «فصل في تهنئتهم بزوجة أو ولد أو قدوم غائب أو عافية أو سلامة من مكروه ونحو ذلك. وقد اختلفت الرواية في ذلك عن أحمد فأباحها مرة ومنعها أخرى. والكلام فيها كالكلام في التعزية والعيادة ولا فرق بينهما. ولكن ليحذر الوقوع فيما يقع فيه الجهال من الألفاظ التي تدل على رضاه بدينه، كما يقول أحدهم متعك الله بدينك أو نيحك فيه أو يقول له أعزك الله أو أكرمك، إلا أن يقول أكرمك الله بالإسلام وأعزك به ونحو ذلك، فهذا في التهنئة بالأمور المشتركة. وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به، فحرام بالاتفاق. مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه. فهذا إن سلم قائله من الكفر، فهو من المحرمات. وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثما عند الله وأشد مقتا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه. وكثير ممن لا قَدْرَ للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل. فمن هنّأ عبداً بمعصية أو بدعة أو كفر، فقد تعرض لمقت الله وسخطه. وقد كان أهل الورع من أهل العلم يتجنبون تهنئة الظلمة بالولايات، وتهنئة الجهّال بمنصب القضاء والتدريس والإفتاء، تجنبا لمقت الله وسقوطهم من عينه».

أما النصارى فهم كفار بالإجماع. والكفار يكونون إما من المشركين أو من أهل الكتاب. ولا اعتبار للأخوة إلا مع المسلمين فقط لقوله تعالى {إنما المؤمنون إخوة}. والشك بكفر غير المسلم كفر بالإجماع. قال القاضي عياض في كتابه "الشفا": «ولهذا نكفِّر كل من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شكّ، أو صحَّح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام، واعتقده، واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك». وقد قال محمد بن عبد الوهاب في "نواقض الإسلام": «من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم : كفَرَ إجماعاً». ثم قال: «ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف، إلا المُكره. وكلها من أعظم ما يكون خطراً، ومن أكثر ما يكون وقوعاً».

أخيرا، لقد طالبت معظم الهيئات القبطية البابا شنودة ألا يتقبل تهاني المسلمين بعد أحداث الفتنة الطائفية الأخيرة والتي تُثار من جانب الأقباط في نفس التوقيت من كل عام. وبعد ذلك نجد شخص يعتبره البعض قدوة يذهب إليهم. فأين عزة المسلم بإسلامه؟ {وللهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ وللمومنينَ ولكن المنافقين لا يعلمون}. دع عنك التحريم القطعي ومخالفة الإجماع... هؤلاء أذلة محتقرون في كل أعراف البشر. والحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به وفضل أهل السنة على أهل البدع تفضيلاً كثيراً.