عورة الرجل

 

اختلف العلماء في تحديد عورة الرجل. فمنهم من قال أنها من السرة إلى الركبتين (أي أن الفخذ عورة)، و قال الآخرون أنها السوءتان فقط (أي الفخذ ليس بعورة). ودليلهم قوله –سبحانه وتعالى–: ]لباساً يواري سوآتكم[ وقوله: ]بدت لهما سوآتهما[ وقوله –جل وعلى–: ]ليريهما سوءآتهما[. جاء في "مراتب الإجماع" (1|347) عن "النيِّر": «وأجمعوا أن ما يجب على الرجل ستره في الصلاة: القبلُ والدّبر». وقد أثبت ابن حزم في المحلى (3|215) أن قول جمهور السلف هو أن الفخذ ليس بعورة. لكن التشديد تدرج بمرور الزمن، فصار مذهب جمهور المتأخرين أن الفخذ عورة. بل إن بعض المذاهب تفرض الحجاب الكامل على الشاب الوسيم! لا أقول هذه الكلام من باب التندر! راجع حاشية ابن عابدين (1|285) واقرأ قوله: «إذا بلغ الغلام مبلغ الرجال ولم يكن صبيحاً، فحكمه حكم الرجال في الساتر في الصلاة. وبعكس الصبيح، فحكمه حكم النساء من فرقه إلى قدمه!!!!».

أدلة من قال بأن الفخذ عورة:

يستدلون بحديث: مَرَّ النَّبِيُّ r بِجَرْهَدٍ فِي الْمَسْجِدِ وَقَدِ انْكَشَفَ فَخِذُهُ فَقَال «إِنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ». و الحديث أخرجه أحمد و أبو داود و الترمذي و علّقه البخاري في صحيحه بصيغة تمريض و ضعّفه في تاريخه (2|248) للاضطراب في إسناده. والحديث كذلك فيه زرعة، وهو مجهول. والحديث عن أبي أيوب (الذي أخرجه الدارقطني) ضعيف لأن فيه سعيد بن راشد وعباد بن كثير، وهما متروكان. وحديث «الركبة من العورة» ضعيف: فيه عقبة، وقد ضعفه أبو حاتم الرازي. وفيه النضر، وهو مجهول يروي أحاديث منكرة، قال ابن حبان: «لا يحتج بحديثه». وحديث «عورة الرجل ما بين سرته إلى ركتبه» ضعيف لأن فيه عباد بن كثير وهو متروك. وحديث «لا تكشف فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي أو ميت» أخرجه أبو داود وأنكره، وقد ضعّفه أبو حاتم لأن فيه ابن جريج وقد دلّسه عن ضعيف. وحديث «الفخذ عورة» أخرجه أحمد والترمذي، وفيه أبي يحيى القتات، وهو ضعيف له مناكير كثيرة. ولا يصح في الباب شيء.

أدلة من يقول بأن الفخذ ليس بعورة:

عن أنس: «أن رسول الله r غزا خيبر. فصلينا عندها صلاة الغداة بِغَلَسٍ. فركب نبي الله r، وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة. فأجرى نبي الله r في زُقاق خيبر، وإن ركبتي لَتَمَسُّ فخِذ نبي الله r. ثم حَسَرَ الإِزَارَ عن فخِذه حتى إني أَنْظُرُ إلى بَيَاضِ فَخِذِ نبي الله r. فلما دخل القرية قال: "الله أكبر خربت خيبر"...». أخرجه البخاري (1|145) واللفظ له، ومسلم (3|1426).

قوله «حَسَرَ الإِزَارَ» أي كشف. والحديث عند مسلم بلفظ «فانحسر الإزار» ومال الإسماعيلي إلى ترجيحها. قال ابن حجر في الدراية (2|227): «لا فرق في نظري بين الروايتين من جهة أنه r لا يُقَرّ على ذلك لو كان حراماً (أي بسبب عُصمته r). فاستوى الحال بين أن يكون حسره باختياره أو انحسر بغير اختياره». وظاهر سياق أبي عوانة والجوزقي من طريق عبد الوارث عن عبد العزيز يدل على استمرار ذلك، لأنه بلفظ «فأجرى رسول اللّه r في زقاق خيبر، وأن ركبتي لتمس فخذ نبي اللّه، وإني لأرى بياض فخذيه». هذا بالإضافة لقوله «وأن ركبتي لتمس فخذ نبي اللّه» لأن ظاهره أن المس كان بدون الحائل. ومسّ العورة بدون حائل لا يجوز.

أخرج الإمام مسلم في صحيحه (4|1866 #2401): حدثنا يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر قال يحيى بن يحيى أخبرنا وقال الآخرون حدثنا: إسماعيل –يعنون ابن جعفر– عن محمد بن أبي حرملة، عن عطاء وسليمان –ابني يسار– وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة قالت: «كان رسول الله r مضطجعاً في بيتي كاشفاً عن فَخِذَيْهِ أو ساقيه. فاستأذن أبو بكر فَأَذِنَ له، وهو على تلك الحال، فتحدث. ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث. ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله r وسوى ثيابه –قال محمد: ولا أقول ذلك في يوم واحد– فدخل فتحدث». فلما خرج قالت عائشة: «دخل أبو بكر فلم تَهْتَشَّ له ولم تُبَالِهِ. ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله. ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك!». فقال: «ألا أستحي من رَجُلٍ تستحي منه الملائكة؟». وأخرج الإمام أحمد في مسنده (6|62 #24375) بإسنادٍ صحيح: حدثنا مروان (بن معاوية الفزاري، ثقة) قال: حدثنا عُبَيْدُ الله بن سَيَّارٍ (وقيل اسمه عبد الله، ثقة) قال: سمعت عائشة بنت طلحة (ثقة) تذكر عن عائشة أم المؤمنين: «أن رسول الله r كان جالساً كاشفاً عن فخذه. فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على حاله... الحديث».

الحديث استدل به من قال أن الفخذ ليست بعورة. و المعارضون لهذا الحديث يرفضون الاحتجاج به للتردد الواقع في رواية مسلم التي ذكرناها ما بين الفخذ والساق، و الساق ليس بعورة إجماعاً. و هذا لا يرد الحديث لما ورد في رواية أحمد و هي الصحيحة. والتردد عند مسلم هو من يحيى بن أيوب، كما يظهر من رواية أبي يعلى في مسنده (8|240). فقد أخرجه ابن حبان في صحيحه (15|336 #6907) من غير وجه عن إسماعيل: «كاشفاً عن فخذيه، فاستأذن أبو بكر»، أي بلا تردد. و واعترض البعض بأن هذه الواقعة خاصة بالنبي r لأنه لم يظهر فيها دليل يدل على التأسي به في مثل ذلك. وأقول: أن دعوى الخصوصية في هذا غير معقولة. إذ كيف يَأمُر غيره بالحياء وهو في المكان الأعلى من ذلك؟! ولذلك فالمعتمد أن فخذ الرجل ليس من العورة لا في الصلاة ولا في خارجها. قال مهنا: سألت أحمد عن رجل صلى في ثوب ليس بصفيق؟ قال: «إن بدت عورته يعيد، وإن كان الفخذ فلا». قلتُ لأحمد: ما العورة؟ قال: «الفرج والدبر». انظر فتح الباري لابن رجب (2|412).

و الخلاصة أن الشافعي و أبو حنيفة وجمهور المتأخرين قد ذهبوا إلى أن الفخذ عورة. أما مالك وأحمد وابن حزم وجمهور المتقدمين فذهبوا إلى أن العورة هي القبل و الدبر فقط. و الله أعلم.