ملاحظات حول منهج الشيخ الألباني -رحمه الله-

1– رأيه في مسألة زيادة الثقة: فإنه –رحمه الله– توسع في ذلك شيئاً، فقبل الكثير من الزيادات التي ضعّفها الأئمة لشذوذها، واعتبرها هو زيادة ثقة يجب قبولها، مع أنه يشترط ألا تكون منافية لأصل الحديث. إلا أنه ربما ذهل عن هذا أحياناً. أما الأئمة المتقدمين فلم يقبلوا زيادة الثقة بإطلاقها، بل كانوا يبحثون بعناية في كل حالة. وهذا من أهم الفروق بين منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين (أي بعد عصر النسائي).

2– عدم تركيزه على قضية العلة و الشذوذ. فنرى الشيخ لا يعبأ كثيراً بأقوال الأئمة المتقدمين في إنكار بعض الروايات. ودليل ذلك تصحيحه للأحاديث الباطلة والمنكرة والتي أبطلها الأئمة المتقدمون وأنكروها. وهذا كثيراً ما أوقعه في أوحال الأحاديث المنكَرة. وكذلك تصحيحه الحديث بكثرة طرقه، مع أن الأئمة المتقدمين اطلعوا على هذه الطرق وضعفوها كلها، ولم يصححوا الحديث بها لأمر ما، فكل حديث له حديث يخصه.

3– تساهله في التصحيح. حيث أن المستور، والمقبول على رسم ابن حجر، والإسناد المنقطع، والمدلس، والصدوق كل ذلك يقبل في الشواهد والمتابعات عنده. وهذا أيضاً مسلك فيه تساهل واضح. وهذا أيضاً سبب آخر لتصحيحه الحديث بمجرد كثرة طرقه، مع تضعيف الأئمة له.

4– الإكثار من تحسين الأحاديث بالشواهد والمتابعات. وتقويته للحديث بالطرق الضعيفة جداً. فالسلف لا يكثرون –جداً– من تحسين الأحاديث بالشواهد، إلا إذا قويت طرقها، ولم يكن في رواته كذاباً ولا مُتهم، ولم تعارض أصلاً. أما لو قويت طرقها واستقامت بمفردها، لكنها عارضت أصلاً فإنها تُطرح. ويمكن تلخيص منهج السلف في تحسين الأحاديث بالشواهد بما يلي:

1. محل إعمال قاعدة تقوية الحديث بتعدد الطرق، هو في غير الحديث الذي أجمع أئمة الحديث على تضعيفه، ما لم يكن تضعيفهم مقيداً بطريق بعينه.

2. أن محل تقوية الحديث بتعدد الطرق، ينبغي أن لا يكون في حديث ضعفه أحد أئمة الحديث، وقامت القرائن على صحة قوله.

3. أن تتعدد طرق الحديث تعدداً حقيقياً فلا يؤول هذا التعدد إلى طريق واحد، كما يحصل كثيراً في الأحاديث التي فيها انقطاع أو جهالة أو تدليس.

4. أن لا يشتد ضعف الطرق. فلا يقبل التحسين من أحاديث المجاهيل والكذابين والمختلطين وأمثالهم.

5. أن يسلم المتن من النكارة! وهذا مهم للغاية كما في المثال الذي ذكره الحاكم النيسابوري في "معرفة علوم الحديث" (1|119).

5– والشيخ الألباني كان كثير الاعتماد على تقريب التهذيب (وهو مجرد عناوين مختصرة)، دون الرجوع إلى التراجم المفصلة. والصواب أن تقريب التهذيب لا ينبغي الرجوع إليه إلا عندما يصعب الترجيح بين الرواة. وإلا فلا بد من الرجوع ليس إلى تهذيب التهذيب وحده، بل إلى كتب العلل و السؤالات والكتب المختصة بالمدلسين والمختلطين وغير ذلك من الأمور الدقيقة. فإن قال قائل إن هذا أمر يطول كثيراً، قلنا نعم! فمن لم يكن عنده الصبر والجلد فليلزم التقليد لحفاظ جهابذةٍ أفنوا عمرهم في طلب هذا العلم والبحث فيه.

وهذه الأخطاء لم يتفرد بها الشيخ الألباني رحمه الله، بل سار عليها أغلب المتأخرين –كما أسلفنا–، وبخاصة المعاصرين منهم، وصارت منهجاً لهم لا يجوز خلافه. وإنما خصصناه بالذكر لأنه من أعظمهم أثراً، ولما لكتبه من قبول. ومن أراد البسط في هذه المسألة فعليه بمراجعة هذه كتاب "الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين في تصحيح الأحاديث وتعليلها"، للشيخ الدكتور حمزة المليباري.

6– تعجله –رحمه الله– في تخريج الحديث بحجة كثرة إلحاح دار النشر عليه! وهذا العذر فيه ما فيه كما ترى. فقال مثلاً ما مختصره: أنه لم يأخذ الوقتَ الكافي ليتمكن من تجويد عملهِ على "السنن". وسبب ذلك: أن الدكتور مُحمد الرشيد –مدير "مكتب التربية العربي" حينذاك– استعجله وحثه على الإسراع بمشروع "صحيح وضعيف السنن الأربعة". لأن الدكتور على وشك ترك إدارة المكتب، ويرغب في إتمام هذا المشروع في عهده، ليترك أثراً طيّباً نافعاً قبل خروجه.

ونضيف على هذه الأخطاء ما ذكره الشيخ الفاضل إبراهيم بن محمد العلي (مع تبديل الأرقام). قال في كتابه "محمد ناصر الدين الألباني محدث العصر وناصر السنَّة" (ص50): «ولما كان الخطأ صفة لازمة في بني الإنسان، لا ينجو منها أحد مهما علت مرتبته في العلم والدين، ولو نجا منها أحد لنجا منها أصحاب رسول الله r الكرام، وهم خير القرون على وجه الأرض، ومع ذلك لم يسلم أحد منهم من الخطأ والوقوع فيه بتأويل، أو بغير تأويل.

والشيخ الألباني –رحمه الله تعالى– من أولئك العلماء الذين بذلوا جهداً كبيراً في خدمة السُنّة المطهرة، لكنه وقع في الخطأ كما وقع غيره من أهل العلم. لكننا حين نتحدث عن بعض الملاحظات حول منهجه فنحن لا نريد أن ننقص من مكانته، فكفى بالمــرء نبلاً أن تُعـد معايبه. ومن تلك الملاحظات التي أخذها عليه الكثير من أهل العلم:

7– الحـِدّة الشديدة التي كان يواجه بها المخالفين له من العلماء القدامى والمُحدثين مما زاد من خصـومه. هذه الحدة التي كانت تخرجه عن الاعتدال في التعامل مع آراء الآخرين، ولم تقتصر هذه الحــدة على المخالفين له في آرائه، وإنما شملت أيضاً بعض محبيه إذا حصل بينه وبينهم تنافر أو خلاف.

8– امتلأت كتبه في الرد على المخالفين. ولذلك يحتاج القارئ إلى التأني في أخذ المسائل التي رد فيها على أهل العلم وردوا عليه، ولذلك لابد من قراءة الرد، لأن الشيخ –رحمه الله– يخطئ ويصيب كسائر أهل العلم. إذ قد يصيب الحق تارة، وقد يخطئ تارة أخرى، فليس كل ما قاله صواباً.

9– تعامله مع التيار الحركي الإسلامي (الجمــاعات الإسلامية) بكثير من الجفاء والغلظة، وإصدار الأحكام القاسية بحقهــا، وذلك من خلال حكمه عليها خلال أفراد منها، واعتبار الجماعات أنها تتبنى هذه الأخطاء، ثم محاكمتها بناء على ذلك. رغم أن كثيراً من أحكامه بحقها ينقصه الدقة والمعلومة الصحيحة.

10– تبنيه لمجموعة من الأحكام الشرعية والتي لم يوفق في اختيار الصواب فيها، ودفاعه عنها دفاعاً شديداً حمله على مهاجمة آراء المخالفين بشدة، رغم أن هذه الاختيارات والغرائب التي تبناها يعوزها الحجة، أو أنها موضع مخالفة شديدة من جماهير أهل العلم، مثل تحريم الذهب المحلق على النساء.

11– منهجه في تقسيم السنن الأربعة إلى صحيح وضعيف، فالصحيح معمول به عنده، والضعيف غير معمول به. وقد أضاع هذا العمل الهدف الذي أراده مؤلفوها حين قاموا بجمعها. وقد اعترف الشيخ بهذا في مقدمة صحيح الأدب المفرد، إلا أنه دافع عن ذلك.

 


 

وأنقل إجابة الشيخ الحويني على النقطة الأخيرة، لأني أظن أن الشيخ الألباني له وجهة نظر قوية. قال الشيخ أبو إسحاق الحويني في مقدمة كتاب "الألباني العالم الرباني":

وأما قول الشيخ العلي: "5ـ منهجه في تقسيم السنن الأربعة.." فو الله حينما قرأتها أول مرة تعجبت أشد العجب من هذه النقطة بالذات وقلت: لو غيرك قالها! ويمكن تقسيمها والإجابة عنها في ثلاثة جمل
"منهجه في تقسيم السنن الأربعة إلى صحيح وضعيف، فالصحيح معمول به عنده، والضعيف غير معمول به". فهل يخالف أحد من أهل العلم في هذا؟! بل هذا بإجماع العلماء ألا يعمل إلا بما صح عن رسول الله
r. بل كتب الشيخ العلي قائمة على هذا النهج فلماذا الإنكار؟ ولماذا جمع في كتابه القيم: "صحيح السيرة النبوية" ما صح من سيرة الرسول r؟!

وكذلك قول الشيخ العلي: "وقد أضــاع هذا العمل الهــدف الذي أراده مؤلفوها حين قاموا بجمعها".
أقـول: هذا الكلام ليس بصحيح، خاصة وقـد حـوى كل كتاب من السنن أحاديث ضعيفة ومناكير بل وموضوعات! فجامع الترمذي ليس كل حديث فيه صحيح عنده، فقد ذكر جملة كبيرة من الضعاف وهو على علم بها، بل ويعلها بنفسه رحمه الله. وكذلك ينقل عن شيخه البخاري تضعيفه لبعض تلك الأحاديث. ولذلك كان من أسباب ذكر الأحاديث الضعاف في جامعه هو عمل بعض الفقهاء بها، فشرطه واسع جداً. وكذلك سكوت الإمام أبي داود ـ رحمه الله، لما ضَعفه ظاهر عنده معروف للمشتغلين بالحديث. وكذلك يعل الإمام النسائي رحمه الله أحاديث كثيرة في سننه، وهو ظاهر لمن تأمله. وأما ابن ماجه فالأمر فيه ظاهر جداً جداً، حتى قيل فيه كل ما تفرد بإخراجه ضعيف، وهذا فيه غلو وإسراف.

ومن قرأ لمن كتب في شروط الأئمة في كتبهم كابن طـاهر، والحازمي –رحمهم الله– علم صدق ما قلت.
وهنا أنقل فائدةً عزيزة للشيخ الألباني –رحمه الله– حول أحاديث السنن وطريقة أصحابها. قال –رحمه الله– في رده على الشيخ إسماعيل الأنصاري –رحمه الله– على إباحة الذهب المحلق المطبوع في: "حياة الألباني وآثاره" (1|194): "والحقيقة أنه قد فات الأستاذ أن أصحاب السنن إنما غايتهم من تخريجهم الأحاديث والتبويب لها عرض ما ورد إليهم والإشارة إلى ما تدل عليه من الأحكام سواء ثبتت تلك الأحاديث أو لم تثبت، وليس غرضهم تقرير أحكام قطعية لا يجوز خلافها. ولهذا نرى فيها كثيراً من الأبواب التي لم يورد فيها إلا ما لا يصح سنده من الحديث، وتارة فيها أبواب متناقضة. فهذا النسائي مثـلاً عقد باباً في تحــريم الذهب على الرجــال، ثم باباً آخر في خاتم الذهب أورد فيها أحاديث صحيحة تدل على ما ترجــم لها. ثم أورد بين البابين المذكورين باباً في الرخصة في خاتم الذهب للرجال (2|286) من طريق عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب قال: عمر يعني لصهيب: ما لي أرى عليك خاتم الذهب؟ قال: قد رآه من هو خير منك فلم يعبه ! قال: من هو؟ قال: رسول الله
r. والأمثلة على ما ذكرنا كثيرة لا حاجة بنا إلى إطالة الكلام بالاستكثار منها".

فالمقصود أنَّ تقسيم الكتاب إلى قسمين لم يذهب بفائدة الكتاب، وإن كان الأَولى هو عدم التقسيم، ويضع الشيخ حكمه تحت الحديث، لما في ذلك من المحافظة على طريقة الكتاب كما أراده مؤلفه، ومنها حتى لا يكبر حجم الكتاب ويصبح ثمنه أغلى بكثيــر من أصله المسند! وقد استغل هذا الأمر –مع الأســف– من لا خــلاق له، وطعـن في نيــة الشيـخ وعملــه وأنه أراد التجارة بالكتب. فالله حسيبه.

وقـول الشيخ العلـي: "وقد اعتــرف الشيخ بهـذا في مقدمة صحيح الأدب المفرد، إلا أنه دافع عن ذلك". أقول: ما نسبه إلى الشيخ الألباني –رحمه الله– أولاً هو ليس في صحيح الأدب بل في ضعيفه ص 6. وثانياً لم يعترف الشيخ بما ذكره الشيخ العلي، بل ذكر وجهة نظر من رأى عدم التقسيم وأجاب بما يعتقده ويراه الأصلح.

وأرى لزاماً علىّ أن أنقل للقراء الأعزاء ما ذكره الشيخ –رحمه الله– حيث قال: "وأنا عندما أصنع هذا أعلم منذ بدأت بمشروع صحيح أبي داود و ضعيف أبي داود وغيرهماـ وذلك منذ أكثر من أربعين عاماًـ أن بعض الفضلاء لا يرون مثل هذا التقسيم، ويقولون: الأولى ترك الأصل كما هو دون تقسيمه إلى صحيح و  ضعيف  مع العناية ببيان مراتب أحاديثه. وإن مما لا شك فيه أن هذه وجهة نظر لها قيمتها. لأن فيها الجمع بين المحافظة على الكتاب كما وضعه مؤلفه، وبين فائدة تمييز صحيحه من سقيمــه. لكن هـذا لا ينفي فـائـدة التقسيم المذكـور، بل هو الأنفـع لعامـة المسلمين، بل وخاصتهم. لأن من المعلوم –بداهة– أنه ليس كل واحد منهم مستعداً طبعاً أو تطبُّعاً أن يعنى بحفظ التمييز المذكور في كتاب واحد. فهذا مما يصعب على جمهورهم، بخلاف ما إذا كان الصحيح في كتاب، والضعيف في آخر. وهذا أمر مجرب لا يماري فيه أحد –إن شاء الله تعالى–. وعلى كل حال فالأمر كما قال الله تعالى: ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات. فأسأله تعالى أن يهديني سواء الصراط".